القديم ، المتفرّد بالكبرياء والملكوت ، المتوحّد بالعظمة والجبروت ، الذي لا تحدّه الصّفات ، ولا تحوزه الجهات ، ولا تحصره قرارة مكان ، ولا يغيّره مرور زمان ، ولا تتمثّله ( 1 ) العيون بنواظرها ، ولا تتخيّله القلوب بخواطرها ، فاطر السماوات وما تظلّ ، وخالق الأرض وما تقلّ ، الذي دلّ بلطيف صنعته ، على جليل حكمته ، وبيّن بجليّ برهانه ، عن خفيّ وجدانه ، واستغنى بالقدرة عن الأعوان ، واستعلى بالعزّة عن الأقران ، البعيد عن كلّ معادل ومضارع ، الممتنع على كلّ مطاول ومقارع ، الدائم الذي لا يزول ولا يحول ، العادل الذي لا يظلم ولا يجور ، الكريم الذي لا يضنّ ولا يبخل ، الحليم الذي لا يعجل ولا يجهل .
ذلكم اللَّه ربّكم لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدّين ، منزل الرحمة على كلّ وليّ توكَّل عليه ، وفوّض إليه ، وأتمر لأوامره ، وازدجر بزواجره ، ومحلّ النّقمة بكلّ عدوّ صدّ عن سبيله وسننه ، وصدف عن فرائضه وسننه ، وحادّه في مكسب يده ومسعاة قدمه ، وخائنة عينه وخافية صدره ، وهو راتع رتعة النّعم السائمة ، في أكلاء النّعم السابغة ، وجاهل ( 2 ) جهلها بشكر آلائها ، ذاهل ذهولها عن طرق استبقائها ، فلا يلبث أن ينزع سرابيلها صاغرا ، ويتعرّى منها حاسرا ، ويجعل اللَّه كيده في تضليل ، ويورده شرّ المورد الوبيل * ( إِنَّ الله لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ( 3 ) * ( ) * ولا يهدي كيد الخائنين .
والحمد للَّه الذي اصطفى للنّبوة أحقّ عباده بحمل أعبائها ، وارتداء ردائها ، « محمدا » صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وسلَّم ، وعظَّم خطره وكرّم ، فصدع بالرسالة ، وبالغ في الدّلالة ، ودعا إلى الهداية ، ونجّى ( 4 ) من الغواية ، ونقل الناس عن طاعة الشيطان الرجيم ، إلى طاعة الرحمن الرحيم ، وأعلقهم بحبائل
هامش
( 1 ) في المصدر السابق : « ولا تمثله » .
( 2 ) في المصدر السابق ص 121 : « جاهل » بدون واو العطف .
( 3 ) سورة يونس 10 ، الآية 81 .
( 4 ) في المختار ص 122 : « وتجلَّى » .