تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
يضلّ هداه ، ولا تحلّ قواه ، ولا تخيب عواقبه ، ولا تخفى مآثره ومناقبه ، رأفة منه بالخلق ، وصيانة لأهل الحقّ ، وإمهالا في العهد ، ورخصة في الاختصار دون الحدّ ؛ ليقرّب فيئة المتأمل ، ويسهّل رجعة المتحصل ، وتسرع رفاهية المستبصر ، ويخفّ اجتهاد المزاول المشمّر ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ * ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * ( 1 ) وهو المسؤول عمارة الإسلام بالسّلامة ، والأنام بالاستقامة ، والسلطان بالطَّاعة ، والملك ببخوع ( 2 ) الجماعة ، حتّى تزال الفتنة مهيضة ( 3 ) الجناح ، مريشة الاجتياح ، فليلة الشّباة ( 4 ) ، قليلة الأدوات ، فتكون النفوس واحدة ، والأيدي مترافدة ؛ والمودّات صافية ، والمآرب متكافية متضاهية ، في الشكر الذي يذاد به عن النّفوس ، ويحمى به حريم الدّين ؛ ويرجى معه التأييد ، ويبتغى بوسيلته المزيد ، فقد قال اللَّه - وقوله الحق - : * ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ( 5 ) * ( ) * واللَّه سميع مجيب . وحسب أمير المؤمنين اللَّه ونعم الوكيل ! وقد علمت ما فرط من نوح بن نصر في السّهو ، ونقم منه في الهفو ، الذي ألهاه عن التقوى ، وأنساه شيمة الرّقبى ( 6 ) ، فعدل عن سنن القصد ، وزاغ عنه على عمد ، وحال عن آداب آبائه رحمهم اللَّه وهم القدوة ، وسجاياهم وبهم الأسوة ، وما كان ينتمي به من الولاء ، ويعتزي إليه من الوفاء ، وصار أدنى معنى ممن يحسده على كرم الأصل ، وينافسه في شرف المحل ، ويدخل على عقله مدّخل النصيحة ، ويطَّلع بظاهرها على آرائه الصريحة ، وكلّ ذلك إلحاد في أمير
هامش
( 1 ) سورة النساء 4 ، الآية 128 . ( 2 ) ببخوع الجماعة : أي بانقيادها ، يقال : بخع بالحقّ : أقرّ به وخضع له . ( 3 ) مهيضة الجناح : مكسورة الجناح ؛ يقال : هاض فلان العظم : كسره بعد الجبور . ( 4 ) فليلة الشباة : أي كي تهدأ الفتنة والشبا من السيف : القدر الذي يقطع به ، والجمع شبا ، يقال : سيف فليل أي منثلم . ( 5 ) سورة إبراهيم 14 ، الآية 7 . ( 6 ) الرقبى : أن يعطي الرجل انسانا ملكا فأيّهما مات رجع الملك إلى ورثته ، وهي اسم من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 398 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين