تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
المؤمنين وعهدته ، ومروق عن أزمّته ، وعقوق بالبرية يشقى به الباقي ، ولن يشقى به النازح الماضي . فإنّ أمير المؤمنين ما زال واعيا لأوامر سلفه ، عارفا بمآثر خلفه ، متجافيا لأولئك عما ابتدعه ، متنوّيا لهذا التّجاوز عمّا صنعه ، فقد كان نمي إلى أمير المؤمنين أنّ عبد الملك بن نوح ، مولى أمير المؤمنين ، سليم السّريرة ، سديد البصيرة ، يرجع إلى رأيه وتدبيره ، ولم يجد وشمكير بن زنار ، عاجله بالبوار ، مساغا إلى ختله ، ولا احتيالا في ليّه وفتله ، وكان لعبد الملك ركن الدولة بن مالك مولى أمير المؤمنين ظهير صدق ، إن وسن أيقظه ، وإن ماد أيّده ، خلَّة فضل فطره اللَّه عليها ، وغريزة تمييز أحسن اللَّه إليه فيها ، فإنه لو قال أمير المؤمنين : إنه لا مثل له استحقّ هذا الوصف ، ولأمن أمير المؤمنين فيه الخلف . ترك لباس أبيه فنزعه ، واعتاض منه وخلعه ، وتنصّل مما كان منه منتهكا ، فعاد عليه محتنكا ، وأتى الأمر من طريقه ، ولجأ فيه إلى فريقه ، ركن الدولة أبي عليّ مولى أمير المؤمنين ، أحسن اللَّه ولايته ، ومعزّ الدولة أبي الحسين تولَّى اللَّه معونته ، واستصلحهما ، وكفى ، واستخلصهما ، وغنى ، وراسل في الإنابة وإن لم يكن حائدا ، والاستقالة وإن لم يكن جانيا ، فما ترك ركن الدولة ومعز الدولة - كلأهما اللَّه - إكبار قدره ، وإجلال أمره ، والقيام بخلاصه ، والنطق عن أمير المؤمنين بلسان مشاركته ، وإذكار أمير المؤمنين بما لم ينسه من تلك الوثائق ، التي صدّر بها كتابه ، والعلائق ، التي وشّح بها خطابه ، إلى أن أجلّ أبا محمد نوحا وترحم عليه ، وقبل عبد الملك وأحسن إليه ، وواصل رسله ، واستمع رسائله ، وقلَّده خراسان ونواحيها ، وسائر الأعمال الجارية فيها ، وعهد إليه في ذلك عهدا وميّزه باللواء ، والخلع ( 1 ) والحباء ، بعد أن كنّاه بلسانه ، ووفّاه حدود إحسانه ؛ وألحقه في ذلك بآبائه ، ولم يقصّر فيه بشأوه . وكتاب أمير المؤمنين هذا ، وقد اطَّردت الحال واستوثقت ، وامتزجت الأهواء واتفقت ؛ وخلا المشرق من الاضطراب الذي طال أمده ، ولم يكد يرى أثره ،
هامش
( 1 ) الخلع : ج خلعة ، وهي خيار المال ، أو ما يخلع على الإنسان . والحباء بكسر الحاء : العطاء .