تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
استعادة للحقّ المسلَّم إليه ، والموهبة التي ضفت جلابيبها عليه ، بل جعل اللَّه ذاك إلى امتحان صبره سبيلا ، وعلى وفور أجره دليلا ، وبإبادة كل ناعق في الفتنة كفيلا ؛ لتزداد أنوار علاه نضارة وحسنا ، وأعلام جلاله سعادة ويمنا ، ورباع عزّه سكونا وأمنا ، لطفا منه جلَّت آلاؤه في ذلك ومنّا . وتلا هذه النعمة التي جدّدت عهود الشرع وافية النّضارة ، وأزالت عن الدّين مفاسده العارضة ومصارّه ، ما سهّله اللَّه وهنّاه ، وأجزل به صنيعه الجزيل وأسناه ، من ظفر السّرايا التي تورّدها لاصطلام اللَّعناء واجتياحهم ، وحسم فسادهم وهدم عراصهم ، وإخماد ما أضرموه من نار الشّرك وشبّوه ، وإبطال ما أحدثوه من رسم الجور وسنّوه ، وأفضى الحال إلى النّصر على الأعداء من كل جانب ، وقهر كلّ منحرف عن الرشاد ومجانب ، وحلول التأييد على الرايات المنصورة العباسيّة التي لم تزل مكنوفة على صرف الدهر أشياعها وأنصارها ، وإجلاء الحرب عن قتل اللعين البساسيري وأخذ رأسه ، وتكذيب ظنّه في احرازه من طوارق الغير واحتراسه ، وإراحة الأرض وأهلها من دنسه وعدوانه ؛ وكون من ضامّه من طبقات العرب والأكراد والأتراك البغداديين والعوامّ بين قتيل مرمّل ( 1 ) بدمه ، وأسير تلقّى المنون بغصة أسفه وندمه ، وصريع في بقيّة من ذمائه ( 2 ) ، وهارب والطلب واقع من ورائه . فأنجز اللَّه وعده في هذا المارق ، والعبد الآبق ( 3 ) الذي غرّه إمهال اللَّه تعالى إيّاه فنسي عواقب الإهمال في الغواية ، والإمهال في الطَّغيان إلى أقصى الحدّ والغاية ، وحمل رأسه إلى الباب العزيز فتقدّم بالتّطواف به في جانبي مدينة ( 4 ) السّلام وشهره ، إبانة عن حاله وإيضاحا لجليّة أمره ، وكفي
هامش
( 1 ) مرمّل بدمه : ملطَّخ به ؛ يقال : رمّله بالدم فترمّل أي تلطَّخ ، ورمّل الثوب ونحوه : لطَّخه بالدم ، ورمّل فلان بالدم : لطَّخ به . قال أبو أخزم الطائي ( رجز )إنّ بنيّ رمّلوني بالدم شنشنة أعرفها من أخزمأنظر لسان العرب ( رمل ) ( 2 ) الذماء ، بالفتح : بقية الروح في المذبوح وبقية النفس . ( 3 ) الآبق : العبد الهارب ، وشرعا مملوك فرّ من مالكه تمرّدا . ( 4 ) هي مدينة بغداد ، أم الدنيا وسيدة البلاد ، أصلها فارسي ومعناه : بستان رجل ، « فباغ » بستان و « داد » اسم رجل سميت مدينة السّلام لأن دجلة يقال لها وادي السّلام ، بناها أبو جعفر المنصور ونزلها سنة 149 ه معجم البلدان ( ج 1 ص 456 - 457 ) .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 395 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين