وارتقابه ، وادّراعا لملابس الخزي في الدنيا والآخرة ، واتباعا لداعي الضّلالة المغوية في البدء والخاتمة ، فاقتضى حكم الاستظهار الانتقال من دار الخلافة - بمدينة السّلام - إلى ( حديثة عانة ( 1 ) ) لما هي عليه من امتناع الجانب وشدّة الحصانة ، إلى أن أسفر خطب شاهنشاه ركن الدين - أمتع اللَّه به - عن إدراك المطالب ، وتيسّر المصاعب ، فعاد بنصرة الدولة العباسيّة الإمامية القائميّة مستنفدا في ذلك أقسام الوسع والاجتهاد ، ومستنجدا بمعونة اللَّه تعالى على إبادة الكفر بصنوف القراع والجهاد . ولم يزل ساعيا في إزالة العار ، وانتزاع المغتصب وارتجاع المستعار ، إلى أن صدّق اللَّه تعالى الأمل وحقّقه ، وأصفى منهل العز من كل ما شابه ورنّقه ، وأطلع شمس الحقّ بعد غروبها ، ومنّ بخضد ( 2 ) شوكة الباطل وفلّ غروبها .
وعاد أمير المؤمنين إلى دار ملكه ومقرّ مجده في يوم كذا ضافية على راياته جلابيب النّصر والظَّفر ، جارية على إرادته تصاريف القضاء والقدر ، بيمن نقيبة شاهنشاه الذي أدّى في الطاعة الفرض والواجب ، وتمسّك من المشايعة بأفضل ما تضمّ عليه الرّواجب ، وغدا للدولة عضدا موفيا على الأمثال ، في دفعه عن الإسلام وذبّه ، ومتقمّصا للجلال ، بحسن إخلاصه في حالتي بعده وقربه . وما زالت ثقة أمير المؤمنين مستحكمة باللَّه تعالى عندما ألمّ به من تلك الحال ، ودهم من الخطب المحتفّ به سطوة الاشتداد والاستفحال ، في إجرائه على ما ألفه من النّصر والإعزاز ، وإظهار آلائه في تأييده والإعجاز ؛ إذ لم يكن ما عرّاه
هامش
( 1 ) ذكرها ابن خلكان في وفيات الأعيان ( ج 5 ص 350 ) وقال : تقع على الفرات . وتحدث ياقوت في معجم البلدان ( ج 4 ص 72 ) عن عانة فقال : بلد مشهور بين الرقّة وهيت في أعمال الجزيرة . وأضاف : وهي مشرفة على الفرات ، وإليها حمل القائم بأمر اللَّه في توبة البساسيري فمانع مهارش عنه إلى أن جاء طغرلبك وقتل البساسيري وأعاد الخليفة إلى داره . وعامة بغداد يضربون البساسيري مثلا في تفخيم الأمر فيقولون : كأنه قد جاء برأس البساسيري ، وإذا كرهوا أمرا من ظلم قالوا : الخيفة إذا في عانة حتى يفعل كذا .
( 2 ) يقال : خضد العود : كسره أو ثناه من غير كسر .