تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
شمس ! عند تفاوض المفاخر ودراسة المناقب ! فمن لصلاح ما أفسدت ، ورتق ( 1 ) ما فتقت ؟ هيهات خمشت الدّربة وجه التصبّر بك ، وأبت الجناية إلا تحدّرا على الألسن ، وحلاوة على المناطق ! ما أربح فائدة نالوها ، وفرصة انتهزوها ! انتبه يزيد للَّفظة ، وشاور الفكرة ، ولا تكن إلى سمعك أسرع من معناها إلى عقلك . واعلم أنّ الذي وطَّأك وسوسة الشّيطان ، وزخرفة السّلطان ، مما حسن عندك قبحه ، واحلولى عندك مرّه ، أمر شركك فيه السّواد ونافسكه الأعبد ، لا لأثرة تدّعيها أو حبتها لك الإمرة ، وأضعت بها من قدرك ، فأمكنت بها من نفسك ، فكأنك شانيء ( 2 ) نفسك ، فمن لهذا كله ؟ اعلم يا يزيد ، أنك طريد الموت وأسير الحياة ، بلغني أنك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى : * ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) * ( 3 ) وأجهرت الفاحشة حتّى اتخذت سريرتها عندك جهرا . اعلم يا يزيد ، أن أوّل ما سلبكه السّكر معرفة مواطن الشّكر للَّه على نعمه المتظاهرة ، وآلائه المتواترة ، وهي الجرحة العظمى ، والفجعة الكبرى ، ترك الصّلوات المفروضات في أوقاتها ، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها ، ثم استحسان العيوب ، وركوب الذّنوب ، وإظهار العورة ، وإباحة السّرّ . فلا تأمن نفسك على سرّك ، ولا تعقد على فعلك . فما خير لذة تعقب الندم ، وتعفّي الكرم ؟ وقد توقّف أمير المؤمنين بين شطرين من أمرك ، لما يتوقّعه من غلبة الآفة واستهلاك الشّهوة . فكن الحاكم على نفسك ، واجعل المحكوم عليه ذهنك ترشد إن شاء اللَّه تعالى . وليبلغ أمير المؤمنين ما يردّ شاردا من نومه ، فقد أصبح
هامش
( 1 ) الرّتق هنا بمعنى الاصلاح ؛ يقال : رتق الشيء : سدّه ضدّ فتقه ، ورتق الفتق : أصلحه . ( 2 ) أي كأنك مبغض نفسك ؛ يقال : شنأه : أبغضه . ( 3 ) سورة الشعراء 26 ، الآيتان 128 - 129 . والريع : المكان المرتفع . والآية هنا العلم يكون علما للمارّة ، والمصانع : ج مصنع ، وهو كالحوض يجمع فيه ماء المطر .