الضرب الثاني ( التاريخ العجميّ )
ومداره الأيام دون الليالي ؛ لأن سنتهم مع اختلافها في الشهور ومبادئها ومقاطعها شمسيّة ، والشمس محلّ ظهورها النهار دون الليل ، فلذلك أرّخوا بالأيام . قال أبو هلال العسكريّ في كتابه « الأوائل » : قال أحمد بن يحيى البلاذريّ : حضرت مجلس المتوكَّل ، وإبراهيم بن العبّاس يقرأ الكتاب الذي أنشأه في تأخير النّوروز ( 1 ) ، والمتوكَّل يتعجّب من حسن عبارته ولطف معانيه والجماعة تشهد له بذلك ، فدخلتني نفاسة ( 2 ) فقلت : يا أمير المؤمنين ، في هذا الكتاب خطأ ! فأعادوا النظر ، وقالوا : ما نراه فما هو ؟ - قلت : أرّخ السنة الفارسيّة بالليالي ، والعجم تؤرّخ بالأيام ، واليوم عندهم أربع وعشرون ساعة تشتمل على الليل والنهار ، وهو جزء من ثلاثين جزءا من الشهر ؛ والعرب تؤرّخ بالليالي ؛ لأن سنيهم وشهورهم قمريّة ، وابتداء الهلال بالليل - قال : فشهدوا بصحّة ما قلته ، واعترف به إبراهيم . وقال : ليس هذا من علمي .
قلت : وأكثر ما يحتاج إلى ذلك في تحويل السّنين ونقل النّيروز عند دوران السنين ، كما في كتاب إبراهيم بن العباس المقدّم ذكره ، وكذلك في كتابة الهدن ( 3 ) فسيأتي أنه يجمع فيها بين التاريخ العربيّ والعجميّ جميعا ، ويجب فيه تقديم العربيّ على العجميّ ، مثل أن يكتب « كتب لعشر خلون من المحرّم سنة ثمانمائة ، موافقا للعاشر من توت من شهور القبط » أو العاشر من تشرين الأوّل من شهور السريان ، أو العاشر من ينير من شهور الروم ، أو العاشر من أفرودين ماه ، من شهور الفرس ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) النوروز : أصله بالفارسية نيع روز ، وتفسيره جديد يوم ، وهو عند الفرس أول يوم من أيام السنة الشمسية .
( 2 ) النفاسة ، بالفتح : الحسد ؛ يقال : نفس عليك فلان ينفس نفسا ونفاسة أي حسدك .
( 3 ) الهدن : ج هدنة ، وهي المصالحة أو الصلح .