تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
بالخطب ، وغير ذلك مما يأتي ذكره فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى . بل ربما كرّروا الحمد المرّات المتعددة إلى السّبع في الخطبة الواحدة ، على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء اللَّه تعالى ، وأتوا بالحمد للَّه بعد البسملة تأسّيا بكتاب اللَّه تعالى ، من حيث أن البسملة آية من الفاتحة كما هو مذهب الشافعيّ ( 1 ) رضي اللَّه عنه ، أو فاتحة لها - وإن لم تكن منها - كما هو مذهب غيره . أما سائر المكاتبات والولايات المفتتحة بغير الحمد ، فإنما حذف منها الحمد استصغارا لشأنها ، إذ كان الابتداء بالحمد إنما يكون في أمر له بال كما دل عليه الحديث المتقدّم ، وسيأتي الكلام على كل شيء من ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى . قال في « الصناعتين » : وإنما افتتح الكلام بالحمد لأن النفوس تتشوّف للثناء على اللَّه تعالى ، والافتتاح بما تتشوّف النفوس إليه مطلوب . وربما أتى الكتّاب بالحمد بعد البعديّة فكتبوا : أما بعد حمد اللَّه ، أو « أما بعد فالحمد للَّه » فأما الصيغة الأولى فالحمد مقدّم فيها معنى وإن لم يذكر لفظا لأن قوله أما بعد حمد اللَّه يقتضي تقدّم حمد اللَّه ، وأما الصيغة الثانية فإنها تقتضي تقدّم شيء على الحمد ، ولا شك أنّ المقدّم هنا هو البسملة على ما سيأتي في الكلام على أما بعد فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى . ثم قد يستعمل الحمد بصيغة الفعل كقولهم في المكاتبات : فإني أحمد إليك اللَّه . وقد اختلف في أيّ الصيغتين أبلغ ؛ صيغة الحمد للَّه ، أو صيغة أحمد اللَّه ، فذهب المحقّقون إلى أن صيغة الحمد للَّه أبلغ ، لما فيها من معنى الاستغراق والثبوت والاستمرار على ما هو مقرّر في علم المعاني . وذهب ذاهبون
هامش
( 1 ) هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشي ، نشأ في مكة وتلقى فيها العلم وحفظ القرآن مع موطأ مالك بن أنس . توفي بمصر سنة 204 ه . ويتلخص مذهبه في إيثار العودة إلى نصوص القرآن والسنّة ، إلى جانب أخذه بفتاوى الصحابة لاثبات بعض الأحكام . أنظر وفيات الأعيان ( ج 4 ص 163 - 169 ) ، والفهرست لابن النديم ص 263 . وتاريخ بغداد ( ج 2 ص 56 - 73 ) وتذكرة الحفاظ ( ج 1 ص 329 ) ، وتهذيب التهذيب ( ج 9 ص 25 ) .