غير ذلك ، تبرّكا بالابتداء بها وتيمّنا بذكرها ، وعملا بالأخبار والآثار المتقدمة في الجملة الأولى . على أنه قد اختلف في معنى قوله تعالى حكاية عن بلقيس حين ألقي إليها كتاب سليمان عليه السّلام : * ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ وإِنَّه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) * ( 1 ) :
فذهب بعض المفسرين إلى أن قوله * ( إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ ) * من كلام بلقيس ، وإنها حكت الكتاب بقولها : * ( وإِنَّه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * إلى آخر الآية ، فيكون ابتداء الكتاب بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، ويكون ذلك احتجاجا على وجوب تقديمها . وذهب آخرون إلى أن قوله * ( إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ ) * بداية كتاب سليمان ، فيكون سليمان عليه السّلام ، قد بدأ في كتابه باسمه . فإن قيل كيف ساغ على ذلك تقديم اسمه على اسم اللَّه تعالى في الذّكر مع أنّ الأنبياء عليهم السّلام أشدّ الناس أدبا مع اللَّه تعالى ؟ فالجواب ما قيل : إنه كان عادة ملوك الكفر أنه إذا ورد عليهم كتاب بما يكرهون ربما مزّقوا أعلاه أو تفلوا ( 2 ) فيه ، فجعل سليمان عليه السّلام اسمه تقيّة لاسم اللَّه تعالى فذكره أوّلا . ومن هنا اصطلح الكتّاب في الكتب الصادرة عن ملوك الإسلام إلى ملوك الكفر بكتابة ألقاب الملك المكتوب عنه في وصل فوق البسملة ، تأسّيا بسليمان عليه السّلام .
أما ما يكتب في طرّة الولايات من العهود والتقاليد وغيرها ، فإنه في الحقيقة جزء من المكتوب ، فلا يوصف بأنه شيء مقدّم على البسملة . وأما الطغراة ( 3 ) التي كانت توضع في مناشير الإقطاعات في وصل بين وصل الطَّرّة والبسملة فيها ألقاب السلطان على ما سيأتي في الكلام على كتابة المناشير في موضعه إن شاء اللَّه تعالى ، فإنها كتابة أجنبيّة مكتوبة بخطَّ غير الكاتب فلم تنسب
هامش
( 1 ) سورة النمل 27 ، الآيات 29 و 30 و 31 .
( 2 ) تفلوا فيه : بصقوا فيه .
( 3 ) الذي في كتب اللغة « الطغراء » بالهمزة وهي علامة ترسم على مناشير السلطان ومسكوكاته يدرج فيها اسمه واسم والده مع لقبه وذلك على هيئة مخصوصة .