لمخاطبك إذا أتيت بها قاصدا بها المخاطب مخاطبا في حال قولك « ميانت » إيّاه ، وهو يمنع عن قصدك شعر النصاب الذي قاله قائله بقصد قصده نفسه .
وبالجملة ، هذا القصد أعني حكاية ألفاظ الغير لا يجتمع مع الإفناء في المعنى كأنّك تحدثها من نفسك ، والذي يحتاج إليه الردّ والمدح هو الثاني ، وأمّا الأوّل فليس إلَّا نقل ألفاظ مدح بها أحد شخصا آخر أو سلَّم بها أحد شخصا آخر ، وهذا لو فرض التصريح به أيضا مع المناسبة المقاميّة فليس المستفاد منه إلَّا أحد الأمور المتقدّمة التي ليس شيء منها ردّا ولا مدحا .
وأمّا النحو الأخير أعني الاقتباس من ألفاظ الغير ، فالردّ والمدح حاصلان به قطعا ، لأنّ المفروض أنّه يأتي بالألفاظ بعنوان إفنائها في معانيها الذي قصده نفسه ، غاية الأمر أخذ الألفاظ من عبارة الغير ، ولكن لا يصدق عليه قارئ القرآن أو قارئ شعر فلان ، وإنّما يقال : إنّه مقتبس منهما ، والمقتبس غير القارئ ، إذا القراءة إنّما تتحقّق إذا كان سمت ألفاظ نفسه مع ألفاظ الغير سمت سائر الألفاظ مع معانيها ، بمعنى أنّه جعل تلك الألفاظ في قالب ألفاظ نفسه وألقاها عوض المعنى إلى المخاطب ، كما هو المحقّق في استعمال اللفظ في اللفظ كقولك : ضرب فعل ماض ، وهل ترى إمكان الجمع بين قول ضرب بحكاية نوعه وقوله بعنوان معناه الذي هو الفعل الخاصّ منسوبا إلى الفاعل في الزمان الماضي ؟ كلَّا ، بل هو عين الجمع بين اللحاظين المتنافيين .
فإذا تحقّق بطلان جميع الأنحاء الثلاثة تعيّن النحو الرابع الذي اخترناه وهو جعل ألفاظه حكاية لألفاظ الغير ، كما هو الحال في الحكاية ، وبعد حكاية تلك الألفاظ وصيرورتها كأنّها بوصف صدورها من الغير مشاهدة للمخاطب والمفروض كونها من سنخ الألفاظ التي شأنها حكاية المعاني بها ، يقصد بتلك
كتاب الصلاة — صفحة 405
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٤٠٥