إذا عرفت ذلك فنقول : إذا أضيف القسم الأوّل إلى الفاعل المختار كما إذا قيل :
رأيت زيدا يضرب عمرا ، كان المتبادر منه صدور الضرب بفاعليّة إرادته وتأثير قوّته في حركات جوارحه .
وأمّا إذا أضيف إلى القسم الثاني ، كما إذا قيل : رأيت زيدا يضحك أو يبكي فلا ينصرف إلى أنّه أعمل مقدّمة اختياريّة لحصول حالة الفرح أو الحزن ثمّ حصول الضحك أو البكاء مسبّبا عن تينك الحالتين ، أو أنّه كان في ضحكه أو بكائه قادرا على صرف نفسه عنهما بإشغال نفسه ببعض الخيالات المضادّة المانعة .
ومن الشواهد على الفرق الذي ادّعينا بين القسمين ملاحظة الحال في النتائج المرتّبة على الأفعال الاختياريّة ، بحيث ليس هنا اختيار مستقلّ في حصول تلك النتائج ، بل اختيارها باختيار مقدّماتها الغير المنفكَّة عنها ، مثل الكون على السطح المرتّب على رفع الرجل من الدرجة الأخيرة ووضعها على السطح ، فإنّ الكون متحقّق حينئذ لا بإعمال قدرة أخرى وانقداح إرادة جديدة فيه ، بل المؤثّر فيه هو الإرادة المؤثّرة في ذلك الرفع والوضع الحاصلين من الدرجة الأخيرة .
وحينئذ فهل تشكّ في أنّه لو قال أحد : رأيت زيدا يصعد الدرج كان منصرف هذا الكلام أنّه بقوّة نفسه وإعمال إرادته كان يفعل هذا الفعل ؟ وأمّا إذا قال : رأيته كان على السطح فهل يتبادر إلى الذهن أنّ هذا الكون حصل بمقدّمات صعود نفسه بإرادته واختياره ، أو بمقدّمة قهريّة خارجة عن قدرته ؟ لا أظنّك ترتاب في عدم هذا التبادر في الثاني ، مع وجوده في الأوّل .
وإذن فدعوى تبادر دليل : إن بكى لذكر ميّت له فصلاته فاسدة ، أو دليل أنّ الضحك البالغ حدّ القهقهة مبطل للصلاة ، إلى الاختياري منهما أعني : ما كان للمصلَّي فيه إعمال قدرة إمّا لتسبيب مقدّمته أو لقدرته على إيجاد المانع واضحة
كتاب الصلاة — صفحة 389
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٣٨٩