في الصلاة وجعله مثال المبطل ما إذا كان بكاؤه لذكر ميّت له ، ومثال غير المبطل ما كان لذكر جنّة أو نار فالإنصاف أنّ البكاء المذكور ألصق وأمسّ بالثاني منه بالأوّل .
فهل ترى أنّ المصلَّي إذا قنت بقوله : اللَّهمّ إنّي أسألك بحقّ الحسين المظلوم أسير الكربات وقتيل العبرات ، فبكى لأجل تذكَّر هذه المصائب الواردة عليه عليه السّلام فهو خارج عن قوله عليه السّلام : إن بكى لذكر جنّة أو نار ، وداخل في قوله : وإن ذكر ميّتا له إلخ ؟
والحاصل أنّه وإن كان ليس بكاؤه لأجل طلب الحاجة أو سدّ الخلَّة ، بل لمحض تذكَّر المصائب الواردة على الدين وأحكام الشرع وحامي الإسلام وإمام المسلمين ولو لم يكن بقصد غاية التقرّب ، بل كان بلا قصد للتحسّر وغلبة الحزن عليه فهو في الرجحان عند الله تعالى ليس بأقصر من ذلك البكاء ، وإذا فرضنا أنّ البكاء لذكر جنّة أو نار كان مثالا لكلّ ما هو شبهه ، فهذا من أوضح الأفراد المشابهة له ، ولا يصلح أن يكون داخلا في ممثّل المثال الثاني ، والله العالم .
بقي الكلام في أنّ البكاء المبطل هل هو ما كان صادرا عن الاختيار المصحّح للتكليف ، أو يعمّه وما كان فاقدا للاختيار المصحّح للتكليف ، كما إذا كان بلا سبق مقدّمة اختياريّة ، بل لتهاجم الحزن عليه بغتة ، بحيث لا يمكنه صرف نفسه ومنعها عن البكاء ؟
قد يقال بانصراف الأفعال المضافة إلى الفاعل المختار إلى صدورها عن اختيار ، ولكنّ الحقّ خلافه وأنّ الانصراف المذكور صحيح بالنسبة إلى قسم من الأفعال الاختياريّة دون جميعها ، والمقام ليس من ذلك القسم الذي يصحّ فيه الانصراف .
كتاب الصلاة — صفحة 387
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٣٨٧