ويمكن الجواب بأنّه إنّما يقصد بهذه الألفاظ نقل ألفاظ الملائكة ، كما هو المقصود في القرآن ، فكأنّه يلقي إلى السامع بهذا الألفاظ ألفاظهم عليهم السّلام ، ثمّ تلك الألفاظ الصادرة من الملائكة بحسب الذات قابلة لأن يقصد بها التحيّة الموجّهة إلى أيّ مخاطب ، غاية الأمر أنّهم عليهم السّلام قصدوا بها التحيّة لأهل الجنّة ، لكن هذا المصلَّي يأتي بألفاظهم ويقصد التحيّة لهذا الرجل المسلَّم ، ولا يخرجها ذلك عن عنوان القرآنيّة ، وإنّما يخرجها لو كان الإفناء في تحيّة الرجل مقصودا في أوّل الأمر .
وأمّا إذا كان المقصود الأوّلي نقل ألفاظ الملائكة بها ثمّ المقصود الثانوي قصد تحيّة الرجل بتلك الألفاظ المحكيّة فكأنّه جاء بألفاظ الملائكة واستعملها في تحيّة هذا الرجل ، فهذا لا يضرّ بالحكاية وصدق القرآنيّة .
ونظير هذا قصد إظهار الخلوص للمكتوب إليه بتوسّط نقوش الكتابيّة ، فإنّ نقش « ق » مثلا حاك عن القاف الملفوظة ، ونقش « ر » عن الراء كذلك ، ونقش « باء » عن الباء الملفوظة ، ونقش « ن » و « ت » عنهما ملفوظتين ، وهكذا نقش « ش » و « و » و « م » . وتركيب هذه النقوش أعني نقشها هكذا : « قربانت شوم » حاك عن التركيب الملفوظ ، فالكاتب إنّما يحكي أوّلا بهذه النقوش الألفاظ ثمّ يحكي بالألفاظ المحكيّة عرض الإخلاص للمخاطب بواسطة قابليّتها الذاتيّة لأن يقصد بها التحيّة لكلّ أحد وإنّما تعيّنها القصد .
فالألفاظ الصادرة من الملائكة حالها حال هذه الألفاظ المحكيّة بنقوش الكتابة ، غاية الأمر اختلاف الحاكي مع الملائكة في القصد ، فهم قصدوا بها تحيّة أهل الجنّة ، وهذا قصد بعين تلك الألفاظ تحيّة هذا الرجل .
فإن قلت : إذا تلفّظ لافظ وقصد معنى ، ثمّ تلفّظ به آخر بقصد معنى آخر ، فلا يصحّ أن يقال : هذا الذي تلفّظه الثاني كلام الأوّل ، كما إذا قال زيد مخاطبا
كتاب الصلاة — صفحة 372
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٣٧٢