وبالجملة ، الحمل على التقيّة مضافا إلى عدم المورد له يأبى عنه المقام أيضا .
فالأحسن حمل الأمر في الخبر الأوّل على الفضل والاستحباب ، ولا ينافيه رواية زرارة الحاكية المشتملة على قوله : إذا رفعا رأسهما ، لإمكان حمله على رؤية ذلك منهما دفعة ، غاية الأمر أنّه خلاف الظاهر ، ولا بأس به بعد ذلك الحثّ الأكيد الذي ورد في الأخبار برعاية الجلسة المذكورة المانع عن إبقاء هذا الظاهر بحاله .
ويشهد للاستحباب أيضا التعليل بالتوقير وعدم الطيش وأنّه وقار المؤمن الخاشع لربّه وأنّه من فعلنا ، فإنّ هذه الألسنة لسان الاستحباب كما لا يخفى .
ولا ينافيه إطلاق الجفاء على تركه في قوله عليه السّلام : إنّما يفعل ذلك أهل الجفاء من الناس ، فإنّ إطلاق الجفاء في ترك المستحبّات كثير في الأخبار ، كما ورد في ترك زيارة النبيّ صلَّى الله عليه وآله وغيره ممّا يظهر للمتتبّع ، وإذن فالقول بالاستحباب لا يخلو عن قوّة .
وأمّا قول الرضا صلوات الله عليه : لا تنظروا إلى ما أصنع أنا ، اصنعوا كما تؤمرون ، فليس المراد به ما ذكروه من التقيّة ، بل المراد منه أنّ وظيفتكم أن تستفيدوا الإيجاب من لفظي وقولي وأمري ، لا أن تستفيدوه من عملي ، فإنّ السائل لمّا رأى مواظبته عليه السّلام على هذا العمل توهّم الوجوب ، فلهذا سأله عليه السّلام : إنّا أيضا نصنع كما تصنع ؟ فأجابه عليه السّلام بقوله : لا تنظروا إلى ما أصنع أنا ، وإذن فلا منافاة له مع الاستحباب أصلا .
كتاب الصلاة — صفحة 280
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٢٨٠