مُضافاً إلى أن عمر لو كان قاصداً لذلك لكان الواجب عليه أن يُنَبِّه النبيّ بعبارة جميلة طالباً فيها توضيح مقصوده ، لا أنّه يمنعه عن أصل الكتاب الرافع للضلالِ إلى آخر الابَد .
ومَا أدري إذا كان الأمر على ما قاله ذلك البعض ، فما الّذي ابكى ابن عبّاس حتى بلّت دموعه الحصباء وعَدّهُ الرزيّة كلّ الرزيّة ؟
الَم يكنُ له علمٌ بمقصود عمر كما علمه هذا البعض بعد حين فيستر لهذه المقاصد الشريفة ؟
وأما ما زعمه النواصب من اَن عمر كان يقول للنبيّ : إِفعل ولا تفعل ، فهو كذب واِزراء بحَقِّ سيّد المرسلين وشأن الرسالة .
ولو سلَم فاِنّه يجوز ذلك في مقام الاستشارة لا في مقام يقضي به النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويعزم كما في المورد ، فاِنّه ليس لأحد فيه الخيرة كما صَرّحت به الآية السابقة .
وأما قوله : ومن علم أحوال عمر مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وطول صحبته لم يتعجّب من هذا ، فصحيح لما نعهده من سوء أدبه مع النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومخالفته في كثير من المقامات التي يقضي فيها ، وتدُخّله في ما ليس له ، كما في الصلاة على ابن أبي ، والصُلع يوم الحديبيّة وغيرهما ، فيعُرض النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عنه أو يُجيبه بما يقتضيه حُسنُ خُلقهِ ، وعظيم تأليفه ، وإلاّ فالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعلى شَأناً ، وأرفَعُ مكاناً ، وأظهَرُ عصمةً ، وأكبر تأييداً من أن يحتاج إلى الآراء الناقصة ، ويتبع من لا طريق له إلاّ الظنّ ، والظَنّ لا يغني من الحَقّ شَيئاً .
ثمّ ان بعض الرواة قد تصرّف في الحديث فصوّرهُ بصورة الاستفهام تقليلاً للاستهجان فروي اَنّهم قالوا : ما شأنه ؟ أهجر ! ! استفهموه ، كما رواه البخاري ( 1 )
هامش
( 1 ) صحييح البخاري في باب مرض النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أواخر كتاب المغازي .