فِيهَا - بِمَا يَجِبُ فِيهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ والْبَقَاءِ ومَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ والْفَنَاءِ
الدنيا إنّما يقوم بالمال ، ثمّ بالعلم لوضعه في مواضعه ومعرفة وجوه اكتسابه الَّتي ينبغي أولا ينبغي من حلال وحرام وهو علم الفقه وأصوله وتفسير كتاب اللَّه وسنّة رسوله اللذين منهما تعلَّم الأحكام ، ثمّ ما يلزم ذلك من علم العربيّة ونحوه .
ولمّا كان العلم لا بدّ له من حال والمال لابدّ له من قان وجب أن يكون من شرط الأوّل أن يعمل بعمله ، ومن شرط الثاني أن يستعمل ماله في مصارفه الَّتي ينبغي وإلَّا لم يكن لهما فائدة ولا قامت بهما أحوال الخلق الَّتي هي الدنيا ، ولمّا كان الموت ضروريّا للعلماء وغيرهم ووجب قيام الدنيا وبقاء نظامها أن يدوم العلم في قرن من الناس بعد قرن وجب أن يكون هناك جهّال لا يستنكفون عن تعلَّمه ولمّا كانت حاجة البعض إلى البعض في قوام الدنيا ضروريّة ولم تجر في نظامها أن يستغنى كلّ عن كلّ لأسباب معلومة وغير معلومة وجب أن يكون هناك من لا مال له ليحصل الانتفاع به فيما هو بصدده ومرشّح له من الأعمال الضروريّة بالوجود عليه . فإذن قوام الدنيا لا يحصل بدون الأربعة . وإنّما شرط في الفقير أن لا يبيع آخرته بدنياه لأنّ بايع آخرته بدنياه ظالم خارج عن العدل فلا يقوم به الدنيا ولا يصلح لعمارتها . ثمّ لمّا بيّن ما به قوام الدنيا أشار إلى ما يلزم ضدّ ذلك من الفساد تنفيرا عنه بقوله : فإذا ضيّع . إلى قوله : بدنياه فلأنّ تضييع العلم يستلزم عدم الانتفاع به واستنكاف الجاهل عن تعلَّمه لسوء اعتقاده في العلم وأهله لما يراه من تضييعهم له وعدم عملهم على وفقه فيبقى على الجهل بمنفعته ، وبخل الغنى بمعروفه مستلزم لعدم المنفعة بالمال ويلزم من ذلك شدّة حاجة الفقير وبيع آخرته بدنياه فيلزمه الفساد المنافي لمصلحة المعاش والمعاد . ثمّ أشار إلى ما يلزم كثرة نعمة اللَّه على العبد من كثرة حوائج الخلق إليه ليوضح له وجوب الشكر عليها والقيام بما يجب للَّه فيها من الإحسان إلى
شرح نهج البلاغة — صفحة 427
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٢٧