ولمّا كانت مستلزمة لساير الفضايل كما أشرنا إليه وجب أن يكون المنكر للمنكر مطلقا مستكملا لجميع خصال الخير وأن يكون التارك له بيده تاركا لخصلة ومتمسّكا بخصلتين ، والتارك بيده ولسانه مضيّعا لأشرف الخصلتين من الثلاث وإنّما كانتا أشرف لكونهما يستلزمان دفع المنكر أو بعضه غالبا بخلاف الثالثة ، ووجب أن يستحقّ تارك الثلاث اسم الميّت في حياته لخلوّه عن جميع الفضايل . ولفظ الميّت استعارة .
وقوله : وما أعمال البرّ . إلى قوله : لجّيّ . تعظيم لهاتين الفضيلتين ، وشبّه أعمال البرّ كلَّها بالنسبة إليهما بالنفثة في البحر اللجيّ ، ووجه الشبه أنّ كلّ خصلة من أعمال البرّ جزئيّ بالنسبة إليهما كالنفثة بالنسبة إلى البحر وعموم الخير منهما [ فيهما - خ - ] .
وقوله فإنّ الأمر . إلى قوله : رزق . صغرى ضمير رغَّب به فيهما ، وتقدير الكبرى : وكلَّما لا يقرّب من أجل ولا ينقص من رزق فلا ينبغي أن يحذر منه . ثمّ أشار إلى أفضل أصنافهما وهو كلمة العدل عند الإمام الجائر لغرض ردّه عن جوره .
356 - وعن أبي جحيفة قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول :
أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ - الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ - فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً ولَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً - قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ
الجهاد باليد واللسان والقلب هو إنكار المنكر بها . وإنّما كان باليد أوّل مغلوب عليه لأنّ الغرض الأوّل للعدوّ إزالة سلطان اليد ومقاومته فإذا تمكَّن من ذلك كان زوال سلطان اللسان سهلا .
فإن قلت : لم قال : ثمّ بقلوبكم . ومعلوم أنّ القلب لا يطَّلع عليه العدوّ ولا يتمكَّن من إزالة الجهاد به .
شرح نهج البلاغة — صفحة 430
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٣٠