وفي الفصل فائدتان : إحداهما نفّر عن الدنيا بأمور : أحدها : أنّ حطامها موبىء : أي مهلك ، واستعار لفظ الحطام لمتاعها باعتبار سرعة زواله وقلَّة الانتفاع به كما قال تعالى « إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ » ( 1 ) الآية . وكونه موبئا استلزم اقتنائه والاعتناء بجمعه للهلاك في الآخرة ولذلك أمر بتجنّب مرعاه : أي رعيه أو محلّ رعيه وهو الدنيا . الثاني : قلعتها وعدم القرار بها أنفع من الطمأنينة إليها لما يستلزمه من الشقاوة في الآخرة بمحبّتها والسكون إليها . الثالث : أنّ الاقتصار على البلغة من العيش فيها أزكى من الثروة بها لما تستلزمه من الثروة بها من الشقاء الأُخرويّ . فالاقتصار على القدر الضروريّ منها أطهر وأسلم من غوائلها . الرابع : حكم بالفاقة على مكثرها . أمّا فيها فلأنّ كلّ زيادة منها موجبة للحاجة إلى أخرى فلذلك كان أكثر الناس حاجة فيها الملوك ثمّ من دونهم على اختلاف درجاتهم فيها ، وأمّا في الآخرة فلفقر المكثر فيها المشتغل بها من ملكات الخير والفضائل . الخامس : أنّ من غنى عنها بزهده فيها أعين من اللَّه بالراحة منها . السادس : أنّ من أعجبته زينتها فأنصب إليها عمى عمّا فيها من العبر عمّا وراءها من أحوال الآخرة ، واستعار لفظ الكمه للمعقول من عمى البصيرة عن الاعتبار لأنّ ذلك أشدّ من العمى كما قال تعالى « فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » ( 2 ) . السابع : أنّ من اتّخذ محبّتها شعارا ملأت قلبه هموما وغموما وأحزانا على
شرح نهج البلاغة — صفحة 422
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٢٢
هامش
( 1 ) 10 - 3 .
( 2 ) 27 - 35 .