وهو الناقد البصير والناصح الشفيق الَّذي لا يغشّ من استنصحه . واستعار لفظ الاستنصاح لمراجعته وإعماله بصدق وتوجّهه إلى استخراج الآراء الصالحة ، ولفظ الغشّ لكذبه : أي لا يكذب من استنصحه وجعله رائدا له وأمّا الحواسّ فقد تكذب أهلها . واعلم أنّ البصر وغيره من الحواسّ الظاهرة لا حكم له ، وأمّا الحكم ببعض المحسوسات على بعض فحكم العقل بواسطة الخيال والوهم ، وكلَّما عرض في تلك الأحكام من الغلط فهو من أغلاط الوهم على ما تبيّن في موضعه ، وحينئذ يكون قوله : وقد تكذب العيون أهلها : أي قد يكذب الأحكام الوهميّة على مدركات العيون كالحكم بكون القطرة النازلة خطَّا مستقيما والشعلة الَّتي تدار بسرعة كالدائرة ونحوه . 266 - وقال عليه السّلام : بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ استعار لفظ الحجاب لما يعرض للنفوس من الهيئات البدنيّة المغفلة عن النظر في العبر وقبول الموعظة والانتفاع بها . 267 - وقال عليه السّلام : جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ وعَالِمُكُمْ مُسَوِّفٌ مزداد أي من الإثم . مسوّف : أي بالتوبة . وروى : عالمكم مسوّف . 268 - وقال عليه السّلام : قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ أي العلم بالدين وما بلَّغه الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله من البشارة والنذارة فإنّ ذلك قاطع لعذر من عساه يقول : إنّا كنّا عن هذا غافلين . كما قال تعالى « رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ » ( 1 ) الآية . 269 - وقال عليه السّلام : كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الإِنْظَارَ - وكُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيفِ
شرح نهج البلاغة — صفحة 387
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٨٧
هامش
( 1 ) 4 - 62 .