تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
اطَّلاع المحبّ لمحبوبه على أسراره وتوقيفه على أحواله فربّما ينقلب بعد ذلك عدوّا له فيكون أقدر على هلاكه من غيره من الأعداء ، وكذلك مفسدة إفراط البغض وهو عدم الإبقاء على المبغوض وذلك يستلزم دوام المعاداة . فالاعتدال في ذلك أولى لأنّه ربّما عاد العدوّ إلى الصداقة فكان المبغض قد أبقى للصداقة موضعا ، وتقدير كبرى الأوّل : وكلّ حبيب جاز أن يكون عدوّا في وقت ما فينبغي أن لا يفرط في محبّته . وتقدير كبرى الثاني : وكلّ عدوّ جاز أن يكون صديقا يوما ما فينبغي أن لا يفرط في بغضه . 253 - وقال عليه السّلام : النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلَانِ - عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا - قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ - يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ ويَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ - فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ - وعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا - فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ - فَأَحْرَزَ الْحَظَّيْنِ مَعاً ومَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً - فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اللَّهِ - لَا يَسْأَلُ اللَّهً حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ لمّا كان العمل في هذه الحياة لا بدّ منه فعمل العاقل إمّا لها أو لغيرها وغيرها هو الآخرة فإذن الناس عاملان ، وأشار إلى الأوّل في معرض ذمّه بقوله : قد شغلته دنياه . إلى قوله : غيره ، ومعنى ذلك أنّه يشتغل بتحصيل الدنيا خوف الفقر على ولده من بعده فيفنى عمره في منفعة يتخيّلها لغيره ولا يخشى الفقر الأكبر في الآخرة من الخيرات الباقية على نفسه . وذلك ضلال مبين . وأشار إلى الثاني في معرض مدحه بقوله : وعامل . إلى قوله : فجاءه الَّذي له من الدنيا : أي المكتوب له في اللوح المحفوظ من رزق ونحوه . وقوله : بغير عمل . أي للدنيا لأنّ العمل بقدر الضرورة من الدنيا ليس من العمل لها بل للآخرة