ومَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ حقّ اللَّه في النعمة شكرها الواجب ، وأمّا استلزام أدائه للمزيد منها وكون التقصير مظنّة زوالها فلقوله تعالى « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ » ( 1 ) الآية . ورغَّب في الشكر ونفّر عن الكفران بذكر كون ذلك حقّا للَّه . وقد مرّ بيانه مرارا . 231 - وقال عليه السّلام : إِذَا كَثُرَتِ اَلْمَقْدِرَةُ قَلَّتِ الشَّهْوَةُ لأنّ قليل القدرة على ما يشتهيه لا يزال مستشعر لخوف فواته عند حصوله . فيكون ذلك الخوف معاقبا للذّته به فلا يزال في قلبه دغدغة نفسانيّة تحمله على مشتهاه وتبعث شهوته عليه . أمّا إذا تمّت قدرته عليه فإنّه يأمن فوته وبحسب ذلك يضعف الباعث للشهوة فيقلّ لجاجه عليه وشهوته له . 232 - وقال عليه السّلام : احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ استعار لفظ النفار والشرود لزوال النعم ملاحظة لشبهها بالنعم . وحذّر منه حثّا على تقييدها بالشكر ، ونبّه على وجوب ذلك الحذر بقوله : فما كلّ . إلى آخره . وهو صغرى ضمير تقديرها : الشارد جاز أن لا يردّ ، وتقدير كبراه : وكلَّما جاز أن لا يردّ لم يجز تنفيره . 233 - وقال عليه السّلام : الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ أي أشدّ عطفا . ويفهم منه أحد معنيين : الأوّل : أنّ الكريم بكرمه أعطف على المنعم عليه من ذي الرحم على ذي رحمه لأنّ عاطفة الكريم طبع وعاطفة ذي الرحم قد يكون تكلَّفا وقد لا يكون أصلا . الثاني : أنّ الكرم يستلزم عاطفة الخلق على الكريم ومحبّتهم له أشدّ من عاطفة ذي الرحم على رحمه .
شرح نهج البلاغة — صفحة 363
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٦٣
هامش
( 1 ) 14 - 7 .