يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ - ويَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ - فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ ولِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ - اللَّهْوُ مَعَ الأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ - يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ ولَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ - يُرْشِدُ غَيْرَهُ ويُغْوِي نَفْسَهُ - فَهُوَ يُطَاعُ ويَعْصِي ويَسْتَوْفِي ولَا يُوفِي - ويَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ ولَا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ .
قال الرضى : ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، وحكمة بالغة ، وبصيرة لمبصر ، وعبرة لناظر مفكر .
أقول : يرجّيها : يؤخّرها . ويروي : يزجيها - بالزاء المعجمة - : أي يدفعها . القنوط : اليأس . وعرته : عرضت له . ومدلّ : أي واثق .
وحاصل الفصل نهى طالب الموعظة عن أربع وثلاثين رذيلة :
أحدها : رجاء الآخرة وثوابها بغير عمل فإنّ ذلك منى على اللَّه ، وقد علمت أنّ المنى بضايع النوكى . الثانية : ترجية التوبة أو إزجاؤها بطول الأمل فإنّ ذلك يستلزم البقاء على المعصية والعذاب بها في الآخرة . الثالثة : أن يجمع بين قول الزاهدين في الدنيا وعمل الراغبين فيها ، وهو خداع للَّه . وعمله فيها عمل الراغبين يستلزم أن يصيبه ما أصابهم من عذاب الآخرة بها . الرابعة : أن لا يشبع ممّا يعطى منها . وذلك رذيلة الشره والحرص . الخامسة : أن لا يقنع إن منع . وذلك رذيلة التفريط من فضيلة القناعة . السادسة : أن يجمع بين العجز عن شكر ما أُوتي من نعمة اللَّه وبين طلب الزيادة من فاضلها . وهو جمع بين رذيلة التفريط من فضيلة الشكر وبين رذيلة الحرص .
شرح نهج البلاغة — صفحة 329
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٢٩