بهم عقولهم على حقيقة العلم .
الرابع : وباشروا روح اليقين : أي وجدوا لذّته .
الخامس : واستلانوا ما استوعر منه المترفون من الأمور الشاقّة كجشوبة المطعم وخشونة المضجع والملبس ومصابرة الصيام والسهر . وذلك في جنب ما وجدوه من لذّة اليقين وحلاوة العرفان هيّن ليّن عندهم .
السادس : وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وهو الأحوال الَّتي ألفوها ممّا ذكرنا فإنّ الجاهل لجهله بثمرتها ينفر منها ويستوحش من أهلها . السابع : وصحبوا الدنيا بأبدان أرواح معلَّقة بالمحلّ الأعلى عاشقة لما شاهدته من جمال حضرة الربوبيّة وصحبة الملاء الأعلى من الملائكة . ولمّا ميزّهم بالأوصاف المذكورة أشار في معرض مدحهم أيضا إلى أنّ هؤلاء لما اشتملوا عليه من هذه الأوصاف هم خلفاء اللَّه في أرضه والدعاة إلى دينه . ثمّ تأوّه شوقا إلى رؤيتهم و - آه - كلمة توجّع أصلها - أوه - والفصل من أفصح ما نقل عنه عليه السّلام .
135 - وقال عليه السّلام : الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
أي حاله مستورة في عدم نطقه فحذف المضاف للعلم به . وتحت لسانه كناية عن سكوته ، وذلك أنّ مقداره بمقدار عقله ومقدار عقله يعرف من مقدار كلامه لدلالته عليه فإذا تكلَّم بكلام الحكماء ظهر كونه حكيما أو بكلام السفهاء عرف كونه منهم وما بين المرتبتين بالنسبة .
136 - وقال عليه السّلام : هَلَكَ امْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ
قد علمت أنّ قدره هو مقداره في نفس الأمر ومنزلته من الفضيلة وعدمها ، ومن لم يعرف منزلته أو شك أن يتجاوزها فيهلك . مثلا من لم يعرف محلَّه من العلم أو شك أن يرفع به فوق محلَّه أو يعنى بما لا يعرف لاعتقاده كما له فيقع في الهلاك الأُخرويّ وربّما تبعه هلاك دنياه ، ولزمه من تجاوزه تلعّب ألسنة الناس وأيديهم به وهلاكه بذلك .
شرح نهج البلاغة — صفحة 327
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٢٧