أقول : المتجرّم : المدّعي جريمة واستهوتك : طلبت هواك إليها وهواك فيها . ومثّلت : صوّرت .
وقوله : أيّها الذامّ ، إلى قوله : غرّتك . توبيخ له على الاغترار بها وذمّها مع ذلك وكذب دعواه أنّها هي ذات الجريمة عليه باستفهامه عن وقت استهوائها له استفهام منكر لذلك وموبّخ عليه وأكَّد ذلك باستفهام أنّ ذلك الغرور له منها بأيّ شيء كان أمن مصارع الآباء أم بمضاجع الأُمّهات ، وذلك على وجه الاستهزاء منه والتنبيه له على ما يوجب النفرة منها وعدم الاغترار بها من سوء صنيعها بأهلها حتّى كأنّها قاصدة لذلك التنبيه والتنقير عنها .
وقوله : كم علَّلت . إلى قوله : مصرعك . صغرى ضمير دلّ به على ما ادّعاه لها من كونها منبّهة من الغفلة وليس قصدها الغرور وتقديرها : قد صوّرت لك الدنيا نفسك بمن أكثرت تعليله وتمريضه من أهلك طالبا له الشفاء ومستوصفا له الأطبّاء فلم ينفعه ذلك منك ، ومثّلت بمصرعه مصرعك . وتقدير الكبرى : وكلّ من مثّل لك ذلك وصوّره لك فليس من أهل التلبيس عليك والغرور لك بل من نصحائك ومنبّهيك من غفلتك . ثمّ لمّا نفى عنها الذمّ أخذ في مدحها وذكر لها أوصافا ثمانية : أحدها : أنّها دار صدق لمن صدقها : أي فيما أخبر به بلسان حالها من فنائها وزوالها . وتصديقه لها اعترافه بذلك منها والعمل به . الثاني : ودار عافية لمن فهم عنها ما أخبرت عنها من عظاتها حتّى احترز من آفاتها وعوفي مي عذاب اللَّه بها . الثالث : ودار غنى لمن اتّخذ فيها التقوى زادا لسفره إلى اللَّه . وظاهر أنّ التقوى وثمرتها في الآخرة أعظم غنى للمتّقين . الرابع : ودار موعظة لمن اعتبر بها فعلم وصفها وغايتها . الخامس : كونها مسجد أحبّاء اللَّه من رسله وأوليائه . السادس : كونها مصلَّى ملائكة اللَّه الأرضيّة الَّذين سجدوا لآدم عليه السّلام .
شرح نهج البلاغة — صفحة 314
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٤