السابع : كونها مهبط وحى اللَّه .
الثامن : كونها متجر أولياء اللَّه الَّذين اكتسبوا بعبادتهم فيها رحمته وربحوا جنّته . ثمّ استفهم بعد هذه الممادح عمّن يذمّها منكرا عليه ومبيّنا لأحوال أخرى لها ينافي ذمّها أي فمن ذا يذمّها ولها الصفات المذكور وهي على هذه الأحوال وذكر منها ستّة :
إحداها : كونها آذنت أهلها وأعلمهم بفراقها . والواو في قوله . وقد . للحال .
الثاني : ونادت بفراقها . الثالث : ونعت نفسها . كلّ ذلك بلسان حالها من التغيّر والانتقال المؤذن .
بالزوال .
الرابع : كونها مثّلت لهم ببلائها البلاء في الآخرة .
الخامس : وشوقّتهم بسرورها إلى السرور في الجنّة . وإنّما كان كذلك لأنّ كلّ ما في هذا العالم فهو صورة ومثال لما في عالم الغيب ونسخة منه يعتبر به ويقاس إليه ولولا ذلك لانسدّ طريق الترقّي إلى الحضرة الإلهيّة وتعذّر الوقوف على شيء من أسرارها . فالسالكون إلى اللَّه لمّا شاهدوا بلاء الآخرة من بلاء الدنيا عملوا للخلاص منه وشاهدوا سرورها من سرور الدنيا وعلموا أنّ بينهما فرقا عظيما وأنّ الأشرف لا يحصل إلَّا برفض الأخسّ فاقتضت آراؤهم الصالحة بيع سرور الفاني بالباقي .
السادس : رواحها بعافية وابتكارها بفجيعة . وهو كناية عن سرعة انتقال أحوالها وتبدّل أطوارها من رخاء إلى شدّة ومن صحّة إلى سقم ونسب هذه الأفعال إليها لأنّ لها سببيّة ما في ذلك ، ولمّا نسب إليها الأفعال الاختياريّة جعل لها منها غايات وهى ترغيب الناس إلى اللَّه وترهيبهم منها ثمّ أشار إلى سبب ذمّها ممّن ذمّها وهو ندامة المفرّطين في اتّخاذ زاد التقوى إلى الآخرة منها فنسبوا ذلك التفريط إلى غرورها لهم وهو باطل كما بيّنه ، ثمّ إلى سبب مدحها ممّن مدحها وهو ثلاثة :
أحدها تذكَّرها لهم بزوالها أنّ ورائها غاية باقية يجب العمل لها فتذكَّروا
شرح نهج البلاغة — صفحة 315
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٥