الوجود إلَّا منه تعالى علم أنّها في جنب عظمته عدم ولا أحقر من العدم . وشدّة صغر المخلوق في اعتبار العارف بحسب درجته في عرفانه . وقيل لبعض العارفين : فلان زاهد . فقال : فيما ذا فقيل : في الدنيا . فقال : الدنيا لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة فكيف يعتبر الزهد فيها والزهد إنّما يكون في شيء والدنيا عندي لا شيء .
120 - وقال عليه السّلام :
وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة : يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ - والْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ والْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ - يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ - يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ - أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ ونَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لَاحِقٌ - أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ وأَمَّا الأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ - وأَمَّا الأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ - هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ - ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ - أَمَا واللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ - لأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
الفرط : الَّذي يتقدّم الواردة فيهيّئ الإرشاء والدلاء .
وخاطبهم عليه السّلام خطاب من يسمع إقامة لحالهم المعهودة مقام أشخاصهم الموجودة . والديار الموحشة والمحالّ المقفرة : القبور . وغرض الفصل ترقيق القلوب القاسية وتنبيه النفوس الغافلة عن غاية الدنيا ومتاعها لغاية العمل فيها كما ينبغي ، ولمّا كان الحقّ هو أنّ خير الزاد التقوى كما نطق به القرآن الكريم وكان ذلك أمرا شاهد ، المتّقون في جزائهم بتقويهم والفجّار في حرمانهم بعدمه لا جرم لو أُذن لهم في الجواب وأعطوا آلته لكان جوابهم ما عرفوا من الحقّ .
شرح نهج البلاغة — صفحة 312
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٢