جهتيهما ، وشبّه الطالب لهما بالماشي بينهما ووجه الشبه قوله : كلَّما قرب . إلى آخره فإنّ الطالب للدنيا بقدر توجّهه في طلبها يكون غفلته على الآخرة وانقطاعه عنها وكلَّما أمعن في تحصيلها ازداد غفلة وبعدا عن الآخرة وبالعكس كالماشي إلى حد جهتي المشرق والمغرب . ثمّ شبهّهما بعد ذلك بالضرّتين ووجه الشبه أيضا أنّ لقرب من إحداهما يستلزم البعد عن الأخرى كالزوج ذي الضرّتين .
96 - وعن نوف البكالي ،
قال : رأيت أمير المؤمنين عليه السّلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر في النجوم فقال لي : يا نوف ، أراقد أنت أم رامق فقلت : بل رامق قال : يا نوف طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا - الرَّاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ - أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الأَرْضَ بِسَاطاً - وتُرَابَهَا فِرَاشاً ومَاءَهَا طِيباً - والْقُرْآنَ شِعَاراً والدُّعَاءَ دِثَاراً - ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ - يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ عليه السّلام قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ - فَقَالَ إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لَا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ - إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً - أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ ( وهِيَ الطُّنْبُورُ ) أَوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ وهِيَ الطَّبْلُ - وقَدْ قِيلَ أَيْضاً إِنَّ الْعَرْطَبَةَ الطَّبْلُ - والْكُوبَةَ الطُّنْبُورُ
أقول : البكالي بكسر الباء : منسوب إلى بكاله قرية من اليمن . والرامق : لناظر : والعريف : نقيب الشرطة .
وكان خروجه عليه السّلام في ذلك الوقت لما نقله عن داود عليه السّلام ولأنّه محلّ لفراغ للاعتبار والفكر في خلق السماوات وزينتها . ثمّ عرّف الزاهدين في الدنيا ستّة أوصاف لغرض الاقتداء بهم : أحدها : اتّخاذهم الأرض بساطا .
شرح نهج البلاغة — صفحة 293
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٣