اشترط في استقامة قضاء الحوائج : أي كون قضائها على ما ينبغي من العدل ثلاث شرائط : أحدها : استصغار قاضى الحاجة لها ليعرف بالسماحة وكبر النفس فيعظم عطاؤه ويشتهر . الثانية : أن يكتمها فإنّ طباع الناس أدعى إلى إظهار ما استكتم وأكثر عناية به من غيره . الثالث : أن يعجّلها لتهنأ : أي لتكون هنيئة . يقال : هنأ الطعام يهنأ وذلك أنّ الإبطاء بقضاء الحاجة ينغّصها على طالبها فتكون لذّتها مشوبة بتكدير بطؤها .
93 - وقال عليه السّلام :
يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِلُ - ولَا يُظَرَّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ - ولَا يُضَعَّفُ فِيهِ إِلَّا الْمُنْصِفُ - يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً وصِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً - والْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ - فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ النِّسَاءِ - وإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ وتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ
وأقول : الماحل : الساعي بالنميمة إلى السلطان ، وأصل المحل الكيد والمكر . وروى الماجن مكان الفاجر وهو المتكلَّم بما يشتهي من الباطل والهزل والاستهزاء .
والغرم : الدين .
يريد أنّ ذلك الزمان لسوء أهله وبعدهم عن الدين وقوانين الشريعة تجعل فيه الرذائل مكان الفضائل ويستعمل ما لا ينبغي مكان ما ينبغي فيقرب الملوك السعاة إليهم بالباطل مكان أصحاب الفضائل ومن ينبغي تقريبه ، ويعدّ الفاجر وهو صاحب رذيلة الإفراط في قوّته الشهويّة صاحب فضيلة الظرف في حركاته .
وقوله : ولا يضّعف . إلى آخره . أي إذا رأوا إنسانا عنده ورع وإنصاف في معاملة الناس عدوّه عاجزا ضعيفا ، ويحتمل أن يريد بقوله : يضعّف أي يستصغر عقله لتركه الظلم كأنّه تارك حقّ
شرح نهج البلاغة — صفحة 291
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩١