ثُمَّ قَالَ إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهً وإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ - وإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهً وإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ !
ولمّا كان الغرض من الأنبياء عليهم السّلام جذب الخلق إلى اللَّه بطاعته فكلّ من كان أبلغ في الطاعة كان أشدّ موافقة لهم وأقرب إلى قلوبهم وأقوى نسبة إليهم .
ولمّا لم يمكن طاعتهم إلَّا بالعلم بما جاؤوا به كان أعلم الناس بذلك أقربهم إليهم وأولاهم بهم . وبرهان ذلك الآية المذكورة . وذكر حال الأنبياء ليعلم مراده الإجمالي ثمّ خصّص الذكر بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله كما هو عادة الخطيب . والمراد بالوليّ هنا الأولى . وأشار إلى أنّ طاعة اللَّه علَّة للأولويّة بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، ومعصيته علَّة لعداوته وإن بعدت قرابة المطيع أو قربت قرابة العاصي ليعلم أنّ الطاعة والمعصية علَّتان مستقلَّتان للأولويّة بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله والعداوة له فيحصل الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية .
88 - وقال عليه السّلام :
وسَمِعَ عليه السّلام رَجُلًا مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يَتَهَجَّدُ ويَقْرَأُ فَقَالَ نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ .
الحروريّة فرقة من الخوارج نسبوا إلى حرورا - بمدّ وبقصر - قرية بالنهروان وكان أوّل اجتماعهم بها . والتهجّد : السهر في العبادة .
وإنّما كان كذلك لأنّ نوم العالم على يقين منه بما ينبغي تيقّنه وعلمه أيضا ممّا ينبغي له ، وعبادة الجاهل على شكّ فيما ينبغي تيقّنه من أصول العبادة ممّا لا ينبغي لما فيه من إتعاب البدن من غير فايدة فكان الأوّل أولى وخيرا من الثاني . وأراد ما هم عليه من الشكّ في إمامة إمام الوقت الَّذي هو مبدء تعليم العبادات وكيفيّتها ، والعلم به ركن من أركان الدين فإنّ الشكّ فيه يستلزم عدم الاستفادة منه والشكّ في كثير ممّا يحتاج إليه فيه كعلم التوحيد وأسرار العبادات وكيفيّة السلوك إلى اللَّه تعالى بطاعته .
شرح نهج البلاغة — صفحة 289
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٨٩