وأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ - فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهً وإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهً - ولَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ - رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ - ورَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ - ولَا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى وكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ
أقول : الخير في العرف العاميّ هو كثرة المال والقينات الدنيويّة ، وفي عرف السالكين إلى اللَّه هو السعادة الأُخرويّة وما يكون وسيلة إليها من الكمالات النفسانيّة . وربّما فسّره قوم بما هو أعمّ من ذلك . وقد نفى عليه السّلام أن يكون الأوّل خيرا وذلك لفنائه ومفارقته ولما عساه أن يلحق بسببه من الشرّ في الآخرة وفسرّه بالثاني وعدّ فيه كمال القوى الإنسانيّة فكثرة العلم كمال القوى النظريّة للنفس العاقلة ، وعظم الحلم من كمال القوّة العمليّة وهو فضيلة القوّة الغضبيّة ، ومباهاة الناس بعبادة ربّه : أي المفاخرة بها بالكثرة والإخلاص وحمد اللَّه على توفيقه للحسنة واستغفاره للسيّئة وذلك من فضائل القوّة الشهويّة وكمال القوّة العمليّة . ثمّ حصر خير الدنيا في أمرين ، وذلك أنّ الإنسان إمّا أن يشتغل بمحو السيّئات وإعدامها ويتدارك فارط ذنوبه فيعدّ نفسه بذلك لاكتساب الحسنات أو يشتغل بايجاد الحسنات فيها . ولا واسطة من الخير المكتسب بين هذين الأمرين . ثمّ حكم بعدم قلَّة العمل المقرون بتقوى اللَّه منبّها بذلك على أنّ تدارك الذنوب بمحوها والمسارعة في الخيرات مستلزم للتقوى ، وإنّما كان غير قليل لأنّه مقبول عند اللَّه والمقبول عنده مستلزم لثوابه العظيم . وذلك ترغيب في الأمرين المذكورين .
87 - وقال عليه السّلام :
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ - ثُمَّ تَلَا : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ - وهذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا )
شرح نهج البلاغة — صفحة 288
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٨٨