بقضاء من اللَّه وبقدر لم يكن لنا في تعبنا ثواب وذلك أنّ القضاء قد يراد به في اللغة الخلق وما خلقه اللَّه تعالى في العبد فلا اختيار له فيه وما لا اختيار له فلا ثواب له فيما فعله . وقوله : ويحك . إلى قوله : الوعيد . بيان لمنشأ وهمه وهو ما لعلَّه يظنّه من تفسير القضاء والقدر بمعنى العلم الملزم والايجاد الواجب على وفقه . وقوله : إنّ اللَّه سبحانه أمر عباده تخييرا . إشارة إلى تفسير القضاء بالأمر كما صرّح به في جواب السائل عن معناه مستشهدا في تفسيره بالأمر والحكم بقوله تعالى « وَقَضى رَبُّكَ » الآية ومعلوم أنّ أمر اللَّه ونهيه لا ينافي اختيار العبد في فعله . وهذا الجواب إقناعيّ بحسب فهم السائل . وربّما فسّر القضاء بأنّه عبارة عن ابداع الأوّل تعالى لجميع صور الموجودات الكليّة والجزئيّة الَّتي لا نهاية لها من حيث هي معقولة في العالم العقليّ ثمّ لمّا كان ايجاد ما يتعلَّق منها بالمادّة في مادّته وإخراج ما فيها من قبول تلك الصور من القوّة إلى الفعل واحدا بعد واحد كان القدر عبارة عن الايجاد لتلك الأمور وتفصيلها واحدا بعد واحد كما قال تعالى « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » ( 1 ) . واعلم أنّه على هذا التفسير يمكن تقرير الجواب عن السؤال المذكور أيضا وذلك أنّ القضاء بالمعنى المذكور لا ينافي اختيار العبد وحسن تكليفه وثوابه وعقابه لأنّ معنى الاختيار هو علم العبد بأنّ له قوّة صالحة للفعل والترك الممكنين مهيّئة لهما إذا انضمّ إليها الميل إلى الفعل المسمّى إرادة فعل أو النفرة المسمّى كراهة ترك وذلك أمر لا ينافي علم اللَّه تعالى بما يقع أولا يقع من الطرفين وإن حصل عنه وجوب فهو خارج عرضيّ . ثمّ إنّ التكليف لم يرد على حسب ما في علم اللَّه تعالى بل له مبدءان :
شرح نهج البلاغة — صفحة 279
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٧٩
هامش
( 1 ) 15 - 21 .