الأولى : أزرى بنفسه من استشعر الطمع . وهو تنفير عن الطمع المضادّ لفضيلة القناعة بذكر ما يستلزمه من التهاون بالنفس والازدراء بها ، وذلك أنّ الطمع بما في أيدي الناس يستلزم الحاجة إليهم والخضوع لهم وهو يستلزم الهون عليهم وسقوط المنزلة . واستعار وصف الاستشعار لملازمة الطمع ومباشرته للقلب كالشعار للجسد .
الثانية : قوله : ورضى بالذلّ من كشف عن ضرّه . وهو أيضا تنفير للإنسان عن شكاية فقره وضرّه للناس بذكر ما يلزم ذلك من المذلَّة والرضى به .
الثالثة : وهانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه . وهو تنفير للإنسان عن الإكثار في القول من غير تدبّر ومراجعه لعقله بما يلزم ذلك من هوان نفسه عليه أمّا في الدنيا فلأنّ زيادة القول قد يكون سببا للهلاك ، وإليه أشار القائل .
احفظ لسانك أيّها الإنسان * لا يلد غنّك إنّه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه * كانت تهاب لقاءه الأقران
وأمّا في الآخرة فلقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلَّا حصائد ألسنتهم ولا هون لنفس الإنسان عليه أعظم من هلاكها . واستعار وصف التأمير لتسليط اللسان على ما يؤذي النفس من غير مراجعتها فكأنّها صارت محكومة له .
الرابعة : قوله : والبخل عار . وذلك لأنّه رذيلة التفريط من فضيلة الكرم .
وبقدر حمد الإنسان على الكرم يكون ذمّه وتعييره برذيلة البخل .
الخامسة : والجبن منقصة . لأنّه رذيلة التفريط من فضيلة الشجاعة والَّتي هي أصل من الكمالات النفسانيّة . فكان الجبن رذيلة ومنقصة .
السادسة : والفقر يخرس الفطن عن حجّته . وذلك لكونه مذلَّة ، وله في النفس فعل عظيم بالقبض والفتور والانفعال عن الغير . ومبدء كلّ ذلك تصوّر العجز وتوهّم القصور بسبب عدم المال عن مقاومة الخصوم فيحصل التخوّف من الكلام والعيّ عنه وإن كان صاحبه فطنا . واستعار لذلك وصف الخرس ملاحظة لشبهه به .
شرح نهج البلاغة — صفحة 239
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٣٩