حاجته إلى الناس فلا يميل إليهم ، و - ما - يحتمل أن يكون بدلا من البذل ، وأن يكون مفعولا لفعل محذوف دلّ عليه البذل كأنّه قال : فيبذل له ما يزيل علَّته ، وأن يكون مفعولا ليفسح : أي يوسّع له ما يكفيه من المال ، ويحتمل أن يكون في معنى مصدر يفسح : أي يفسح له فسحا يزيل علَّته .
الرابع : أن يعطيه من المنزلة عنده ما لا يطمع فيه معها غيره من خاصّته ليأمن بذلك اغتيال الأعداء . وتقدير كبرى هذا الضمير : وكلّ ما كان كذلك فواجب بذله للقاضي .
الخامس : أن ينظر في اختيار من كان بهذه الصفات وفيما أمره به نظرا بالغا ليعمل بأقصاه . وعلَّل ذلك بقوله : فإنّ هذا الدين . إلى قوله : الدنيا . واستعار لفظ الأسير باعتبار تصريفهم له كالأسير . والكلام صغرى ضمير تقدير كبراه : وكلَّما كان كذلك فيجب النظر في اختيار من يعمل بالحقّ ويخرجه من أسر الأشرار . وباللَّه التوفيق .
الصنف الثالث : العمّال وميّزهم أيضا بأوصاف وأمره فيهم بأوامره مصلحيّة .
أمّا الأوصاف : فأحدها : أن يكون العامل من أهل التجربة للأعمال والولايات على علم بقواعدها . وبدء بذلك لأنّه الأصل الأكبر للعمل .
الثاني : أن يكون من أهل الحياء فلا ينتهي في الانفعال إلى حدّ الاستخدام وهو طرف التفريط فيضيّع به الحقوق والمصالح ولا يتجاوزه إلى حدّ القحة فيقع في طرف الإفراط وما يلزمه من الجفاوة ونفرة القلوب عنه .
الثالث : أن يكون من أهل البيوتات الصالحة والقدم السابقة في الإسلام ، وهي كناية عن البيوت المتقدّمة في الدين والخير ، ولهم في ذلك أصل معرق . وأشار إلى وجه الحكمة في تولية من كان بهذه الصفات الثلاث بقوله : فإنّهم . إلى قوله : نظرا . وذلك أنّ الحياء وصلاح البيوت والتقدّم في الإسلام يفيدهم كرم الأخلاق ومحافظة على الأعراض من المطاعن وقلَّة الإشراف والتطَّلع إلى المطامع الدنيّة ، والتجربة
شرح نهج البلاغة — صفحة 164
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٦٤