يعجل إلى تصديق من سعى به ، ونبّه على ذلك بضمير صغراه : قوله : فإنّ الساعي : إلى قوله : الناصحين . ووجه غشّه كونه مثير الأحقاد والضغائن بين الناس ويذيع الفاحشة والفساد في الأرض ، وتقدير كبراه : وكلّ من كان غاشّا وجب أن لا يلتفت إليه .
الرابع عشر : نهاه أن يدخل في مشورته ثلاثة البخيل والجبان والحريص ، ونبّه على وجه المفسدة في استشارة كلّ أحد من الثلاثة بضمير صغرى الأوّل : قوله : يعدل بك . إلى قوله : الفقر . وذلك أنّ البخيل لا يشير إلَّا بما يراه مصلحة عنده وهو البخل وما يستلزمه من التخويف بالفقر ، وهو يعدل بالمستشير عن الفضل .
وصغرى الثاني قوله : ليضّعفك عن الأمور . لأنّ الجبان لا يشير إلَّا بوجوب حفظ النفس والتخويف من العدوّ وهو المصلحة الَّتي يراها ، وكلّ ذلك مضعّف عن الحرب ومقاومة العدوّ . وصغرى الثالث : قوله : يزيّن لك الشره بالجور . وذلك أنّ المصلحة عنده جمع المال وحفظه وهو مستلزم للجور عن فضيلة العدل والقصد . وتقدير الكبرى في الثلاثة : وكلّ من كان كذلك فلا يجوز استشارته . ثمّ نفّر عن الثلاثة بضمير آخر نبّه بصغراه على مبدء رذائلهم الثلاث وهي البخل والجبن والحرص لتعرف فتجتنب وتنفر عن عن أهلها فذكر أنّها غرائز : أي أخلاق متفرّقة يحصل للنفس عن أصل واحد ينتهى إليه وهو سوء الظنّ باللَّه ، وبيان ذلك أنّ مبدء سوء الظنّ باللَّه عدم معرفته تعالى فالجاهل به لا يعرفه من جهة ما هو جواد فيّاض بالخيرات لمن استعدّ بطاعته لها فيسوء ظنّه به ، وبأنّه لا يخلف عليه عوض ما يبذله فيمنعه ذلك مع ملاحظة الفقر من [ عند ] البذل وتلزمه رذيلة البخل ، وكذا الجبان جاهل به تعالى من جهة لطفه بعباده وعنايته بوجودهم وغير عالم بسرّ قدره فيسوء ظنّه بأنّه لا يحفظه من التلف ويتصوّر الهلاك فيمنعه ذلك عن الإقدام في الحرب ونحوها فيلزمه رذيلة الجبن ، وكذلك الحريص يجهله تعالى من الوجهين المذكورين فيسوء ظنّه به ويعتقد أنّه إذا لم يحرص الحرص المذموم لم يوصل إليه تعالى ما يصلح حاله ممّا يسعى فيه ويحرص عليه فيبعثه ذلك على الحرص . وكذلك النفس . فكانت هذه الأخلاق الثلاثة المذمومة
شرح نهج البلاغة — صفحة 146
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٤٦