تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
نبّهه أوّلا على بعض العلل الغائيّة من ذلك ، وهو الذكر الجميل في العقبى والكون من الصالحين ليعمل له ، وذلك بقوله : إنّي قد وجهّتك . إلى قوله : تقول فيهم . وهو في قوّة صغرى ضمير تقديرها : إنّك موجّه إلى بلدة حالها كذا وكذا وحال الناس في فعلك بها كذا ، وتقدير الكبرى : وكلّ من كان وجّه إلى بلدة كذلك وكان الناس ينظرون من أمره مثل ما كان ينظر قبله من أمر الولاة ويقولون فيه مثل ما كان يقول فيهم فيجب عليه أن يكون أحبّ الأمور إليه العمل الصالح ليحصل منه الذكر الجميل بين الناس الدالّ على كون المذكور عند اللَّه من الصالحين ، ونبّه على تلك الدلالة بقوله : وإنّما يستدلّ على الصالحين بما يجرى اللَّه لهم على ألسن عباده . وفي نسبة إجراء القول إلى اللَّه ترغيب عظيم في تحصيل الذكر الجميل . ثمّ أعقب ذلك بأمره أن يجعل العمل الصالح أحبّ الذخائر إليه ، واستعار له لفظ الذخيرة باعتبار أن يحصله في الدنيا لغاية الانتفاع به في العقبى كالذخيرة . ولمّا أمره بالعمل الصالح إجمالا شرع في تفصيله وذكر أنواعا : أحدها : أن يملك هواه في شهوته وغضبه فلا يتّبعهما ، ويشحّ بنفسه عمّا لا يحلّ لها من المحرّمات . وقوله : فإنّ الشحّ . إلى قوله : كرهت . تفسير لذلك الشحّ بما يلازمه وهو الانصاف والوقوف على حدّ العدل في المحبوب فلا يقوده شهوته إلى حدّ الإفراط فيقع في رذيلة الفجور ، وفي دفع المكروه فلا يقوده غضبه إلى طرف الإفراط من فضيلة العدل فيقع في رذيلة الظلم والتهوّر . وظاهر أنّ ذلك شحّ بالنفس وبخل بها عن إلقائها في مهاوي الهلاك . الثاني : أن يشعر قلبه الرحمة للرعيّة والمحبّة واللطف بهم . وهي فضائل تحت ملكة العفّة : أي اجعل هذه الفضائل شعارا لقلبك . ولفظا الشعار والسبع مستعاران . وأشار إلى وجه استعارة السبع بقوله : تغتنم أكلهم . الثالث : أن يعفو ويصفح عنهم ، وهو فضيلة تحت الشجاعة . وقوله : فإنّهم . إلى قوله : في الخلق .
شرح نهج البلاغة — صفحة 141 | ابن ميثم البحراني