فإذن ظهر أن غاية كلّ إنسان أمامه إليها يسير وبها يصير . الثانية قوله وإنّ ورائكم الساعة تحدوكم ، والمراد بالساعة القيامة الصغرى وهي ضرورة الموت ، فأمّا كونها ورائهم فلأنّ الإنسان لمّا كان بطبعه ينفر من الموت ويفرّ منه وكانت العادة في الهارب من الشيء أن يكون ورائه مهروب منه وكان الموت متأخّرا عن وجود الإنسان ولاحقا تأخّرا ولحوقا عقليّا أشبه المهروب منه المتأخّر اللاحق تأخّرا ولحوقا حسيّا ، فلا جرم استعير لفظ الجهة المحسوسة وهي الوراء . وأمّا كونها تحدوهم فلأنّ الحادي لمّا كان من شأنه سوق الإبل بالحداء وكان تذكَّر الموت وسماع نواد به مقلقا مزعجا للنفوس إلى الاستعداد لأمور الآخرة والأهبّة للقاء اللَّه سبحانه فهو يحملها على قطع عقبات طريق الآخرة كما يحمل الحادي الإبل على قطع الطريق البعيدة الوعرة لا جرم أشبه الحادي فأسند الحداء إليه . الثالثة قوله تخفّفوا تلحقوا . ولمّا نبّههم بكون الغاية أمامهم وأنّ الساعة تحدوهم في سفر واجب وكان السابق إلى الغاية من ذلك السفر هو الفائز برضوان اللَّه ، وقد علمت أنّ التخفيف وقطع العلائق في الأسفار سبب للسبق والفوز بلحوق السابقين لا جرم أمرهم بالتخفيف لغاية اللحوق في كلمتين : فالأولى منهما قوله تخفّفوا وكنّى بهذا الأمر عن الزهد الحقيقيّ الَّذي هو أقوى أسباب السلوك إلى اللَّه سبحانه وهو عبارة عن حذف كلّ شاغل عن التوجّه إلى القبلة الحقيقيّة والإعراض عن متاع الدنيا وطيّباتها وتنحية كلّ ما سوى الحقّ الأوّل عن مستن الإيثار فإنّ ذلك تخفيف لأثقال الأوزار المانعة عن الصعود في درجات الأبرار الموجبة لحلول دار البوار وهي كناية باللفظ المستعار ، وهذا الأمر في معنى الشرط ، والثانية قوله تلحقوا وهو جزاء الشرط أي أن تخفّفوا تلحقوا ، والمراد تلحقوا بدرجات السابقين الَّذين هم أولياء اللَّه والواصلون إلى ساحل عزّته ، وملازمة هذه الشرطيّة قد علمت بيانها فإنّ الجود الإلهيّ لا بخل فيه ولا قصور من جهته والزهد الحقيقيّ أقوى أسباب السلوك إلى اللَّه كما سبق فإذا استعدّت النفس بالإعراض عمّا سوى الحقّ سبحانه وتوجّهت إلى استشراق أنوار كبريائه فلا بدّ أن يفاض عليها ما تقبله من الصورة التماميّة فيلحق بدرجة السابقين ويتّصل بساحل العزّة في مقام أمين . الرابعة فإنّما ينتظر بأوّلكم آخركم أي إنّما ينتظر بالبعث الأكبر والقيامة الكبرى للَّذين ماتوا أوّلا وصول الباقين وموتهم ، وتحقيق ذلك الانتظار أنّه لمّا كان نظر العناية الإلهيّة إلى الخلق نظرا واحدا والمطلوب
شرح نهج البلاغة — صفحة 331
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٣١