وراء ما جذبتم به إلى اللَّه تعالى على ألسنة رسله طريقة أخرى تدعون بها ، إذ ما يمكن دعوتكم إلَّا بالوعد والوعيد والأمثال والتذكير بالعبر اللاحقة لقوم حقّت عليهم كلمة العذاب ، ونحو ذلك لا يمكن إيضاحه لكم مشاهدة إلَّا على ألسنة الرسل البشريّة عليهم السّلام فلا يمكن أن يبلغ إليكم رسالات ربّكم بعد رسل السماء الَّتي هي الملائكة إلَّا هم فينبغي أن يكون ذلك أمرا كافيا لكم في الالتفات إلى اللَّه . 20 - ومن خطبة له عليه السّلام فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ - تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ قال الشريف : أقول : إن هذا الكلام لو وزن ، بعد كلام اللَّه سبحانه وبعد كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، بكل كلام لمال به راجحا ، وبرّز عليه سابقا . فأما قوله عليه السّلام « تخففوا تلحقوا » فما سمع كلام أقل منه مسموعا ولا أكثر محصولا وما أبعد غورها من كلمة ، وأنقع نطفتها من حكمة ، وقد نبهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها وشرف جوهرها أقول : لا شكّ أنّ هذه الكلمات اليسيرة قد جمعت وجازة الألفاظ وجزالة المعنى المشتمل على الموعظة الحسنة والحكمة البالغة وهي أربع كلمات : الأولى أنّ الغاية أمامكم . واعلم أنّه لمّا كانت الغاية من وجود الخلق أن يكونوا عباد اللَّه كما قال تعالى « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » ( 1 ) وكان المقصود من العبادة إنّما هو الوصول إلى جناب عزّته والطيران في حظائر القدس بأجنحة الكمال مع الملائكة المقرّبين ، وكان ذلك هو غاية الإنسان المطلوبة منه والمقصودة له والمأمور بالتوجّه إليها بوجهه الحقيقي فإن سعى لها سعيها أدركها وفاز بحلول جنّات النعيم وإن قصّر في طلبها وانحرف سواء الصراط الموصل إليها وقد علمت أنّ أبواب جهنّم عن جنبتي الصراط مفتّحة كان فيها من الهاوين ، وكانت غايته فدخلها مع الداخلين .
شرح نهج البلاغة — صفحة 330
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٣٠
هامش
( 1 ) 51 - 56