تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩

حجب تلك الأحوال عن بصائرهم مستلزم لعدم فزعهم وجزعهم وهو في صورة اعتذار منهم نطق به لسان حالهم . قوله وقريب ما يطرح الحجاب . ما مصدريّة في موضع رفع بالابتداء وقريب خبره ، وهو إشارة إلى نحو تزييف لذلك العذر في صورة التهديد لهم إن جعلوا ذلك الخيال عمدة في التقصير عن العمل فإنّه عمّا قليل يرفع حجب الأبدان عن أحوالهم القيامة وأهوال يوم الطامّة ، وتكشط سماء أغطيتها من بصائر النفوس فتشاهد الجحيم قد سعّرت والجنّة قد أزلفت « وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعّرت وإذا الجنّة أزلفت علمت نفس ما أحضرت » ( 1 ) وكما قال تعالى « فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 2 ) قوله ولقد بصّرتم إن أبصرتم واسمعتم إن سمعتم وهديتم إن اهتديتم . إشارة إلى ما يشبه جوابا ثانيا عن صورة العذر السابق لحالهم وهو وجود الحجاب المانع عن مشاهدة ما يوجب الجزع والفزع ، وذلك أنّ الحجاب وإن كان قائما الآن وسائرا لتلك الأمور عنكم فقد نصّرتم بها وأوضحت لكم بالعبر والأمثال على ألسنة الرسل عليهم السّلام ، واسمعتم إيّاها في الكتب الإلهيّة والسنن النبويّة ، وهديتم عليها بالدلائل الواضحة والحجج القاطعة بحيث صارت كالمشاهدة لكم والمعلومة عيانا لا شكّ فيها ، فلا عذر إذن بالحجاب ، وتخصيص السمع والبصر بالذكر لأنّهما الآلتان اللتان عليهما مدار الاعتبار بأمور الآخرة ، وأشار بالهداية إلى حظَّ العقل من غير نظر إلى آلة ، ونبّه بإيراد إن الشرطيّة في المواضع الثلاثة على أنّه يجد الشكّ في إبصارهم لما بصّروا به وسماعهم لما اسمعوا واهتدائهم بما هدوا به ، وكلّ ذلك تنفير لهم على القرار على الغفلة وتنبيه على الفرار إلى اللَّه في طرق الاعتبار . قوله بحقّ أقول لكم لقد جاهرتكم العبر وزجرتم بما فيه مزدجر . لمّا قدّم أنّهم بصّروا واسمعوا أردف ذلك ببيان ما بصّروا به واسمعوا إلى ما بصّروا به بمجاهرة العبر بالمصائب الواقعة بهم وبمن خلا قبلهم من القرون ، وإلى ما اسمعوا به بالزجر بما فيه مزدجر ، وهي النواهي المؤكَّدة المردفة بالوعيدات الهائلة والعقوبات الحاضرة الَّتي في أقلَّها ازدجار لذوي الألباب كما قال تعالى « وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ » ( 3 ) وقوله وما يبلغ عن اللَّه بعد رسل السماء إلَّا البشر . إشارة إلى أنّه ليس في الإمكان

هامش
( 1 ) 81 - 12
( 2 ) 50 - 21
( 3 ) 54 - 4
شرح نهج البلاغة — صفحة 329 | ابن ميثم البحراني