تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨

مشاهدة بعين اليقين ما أعدّ لها من خير وماهيء لها من شرّ بحسب استعدادها بما كسبت من قبل ، فأمّا قبل المفارقة فإنّ حجاب البدن مانع لها عن مشاهدة تلك الأمور كما هي وإن حصلت على اعتقاد جازم برهانيّ أو نوع من المكاشفة الممكنة كما في حقّ كثير من أولياء اللَّه إلَّا أنّ ذلك الوقوف والاطَّلاع يكون كالمشاهدة لا أنّها مشاهدة حقيقيّة خالصة إذ لا تنفّك عن شائبة الوهم والخيال ، ولذلك قال صلى اللَّه عليه وآله حاكيا عن ربّه : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بل ما أطَّلعتهم عليه أي وراء ما أطَّلعتهم عليه ، وهو إشارة إلى طور المشاهدة الخالصة عن الشوائب الَّتي هي عين اليقين بعد الموت ، وقد يسمّى ما أدركه أهل المكاشفات بمكاشفاتهم في حياتهم الدنيا عين اليقين ، فأمّا إدراك من دون هؤلاء لتلك الأمور فما كان منها مؤكَّدا بالشعور بعدم إمكان النقيض فهو علم اليقين ، وقد يختصّ علم اليقين في عرف الصوفيّة بما تميل النفس إلى التصديق به ويغلب عليها ويستولي حتّى يصير هو المتحكَّم المتصرّف فيها بالتحريص والمنع فيقال فلان ضعيف اليقين بالموت إذا لم يهتمّ بالاستعداد له فكأنّه غير موقن به مع أنّه لا يتطرّق إليه فيه شكّ ، وقويّ اليقين به إذا غلب ذلك على قلبه حتّى استغرق همّته بالتهيّؤ له . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ قوله عليه السّلام فإنّكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم . شرطيّة متّصلة نبّه فيها على أنّ ورائهم من أهوال الآخرة وعذابها ممّا شاهده من سبق منهم إلى الآخرة ما لا يشاهدونه الآن بعين وإن علموه يقينا ، وبيّن فيها لزوم جزعهم وفزعهم وسمعهم وطاعتهم لداعي اللَّه على تقدير مشاهدتهم بعين اليقين لتلك الأمور ، وهذه الملازمة ممّا شهد البرهان بصحّتها وأشار التنزيل الإلهيّ إلى حقيقتها ، وذلك قوله تعالى « رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ » ( 1 ) وذلك مقتضى شهادتهم لأهوال الآخرة ، وجزعهم من تلك المشاهدة فيجيبهم لسان العزّة « أو لم نعمّركم ما يتذكَّر فيه من تذكَّر وجائكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير » ( 2 ) قوله ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا . استثناء لملزوم نقيض تالي هذه المتّصلة إذ

هامش
( 1 ) 32 - 12
( 2 ) 35 - 34