تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧

أشار إليه القرآن الكريم مثلا في حجبهم « أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » ( 1 ) الآية فمثل الكافر كرجل وقع في بحر لجّيّ صفته كذلك فأشار بالبحر اللجّيّ إلى الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة ، والموج الأوّل موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيميّة ، وبالحريّ أن يكون هذا الموج مظلما إذ حبّك الشيء يعمي ويضمّ ، والموج الثاني موج الصفات السبعيّة الباعثة على الغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهات فبالحريّ أن يكون مظلما لأنّ الغضب غول العقل وبالحريّ أن يكون هو الموج الأعلى لأنّ الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتّى إذا هاج أذهل عنها ، والسحاب هو الاعتقادات الباطلة والخيالات الفاسدة الَّتي صارت حجابا لبصيرة الكافر عن إدراك نور الحقّ إذ خاصيّة الحجاب أن يحجب نور الشمس عن الأبصار الظاهرة وإذا كانت هذه كلَّها مظلمة فبالحريّ أن يكون ظلمات بعضها فوق بعض ، وأمّا أخفّهم حجبا وأرّقهم حجابا فهم الَّذين بذلوا جهدهم في لزوم أوامر اللَّه ونواهيه وبالغوا في تصفية بواطنهم وصقال ألواح نفوسهم وإلقاء حجب الغفلة وأستار الهيئات البدنيّة فأشرقت عليهم شموس المعارف الإلهيّة وسالت إلى أودية قلوبهم مياه الجود الربانيّ المعطي لكلّ قابل ما يقبله ، فهؤلاء وإن كانوا قد بلغوا الغاية من الجهد في رفع الحجب وغسل دون الباطل عن نفوسهم إلَّا أنّهم ما داموا في هذه الأبدان فهم في أغطية من هيئاتها وحجب من أستارها وإن ضعفت تلك الحجب ورقّت تلك الأغشية ، وما بين هاتين المرتبتين درجات من الحجب متفاوتة ومراتب متصاعدة متنازلة وبحسب تفاوتها يكون تفاوت النفوس في الاستضاءة بأنوار العلوم وقبول الانتقاش بالمعارف الإلهيّة والوقوف على أسرار الدين ، وبحسب تفاوت هذه الحجب تكون تفاوت ورود النار كما قال تعالى « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها » ( 2 ) ولن يخلص الإنسان من شوائب هذه الحجب وظلمتها إلَّا بالخلاص عن هذا البدن ، وطرحه ، وحينئذ « تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً » ( 3 ) فتكون

هامش
( 1 ) 24 - 40
( 2 ) 19 - 72
( 3 ) 3 - 28 .