أقول : الأنيق الحسن المعجب ، وفي هذا الكلام تصريح بأنّه عليه السّلام كان يرى أنّ الحقّ في جهة وأن ليس كلّ مجتهد مصيبا ، وهذه المسألة ممّا انتشر الخلاف فيها بين علماء أصول الفقه فمنهم من يرى أنّ كلّ مجتهد مصيب إذا راعى شرائط الاجتهاد وأنّ الحقّ بالنسبة إلى كلّ واحد من المجتهدين ما أدّى إليه اجتهاده وغلب في ظنّه فجاز أن يكون في جهتين أو جهات وعليه الإمام الغزّاليّ - رحمه اللَّه - وجماعة من الاصوليّين ، ومنهم من ينكر ذلك ويرى أنّ الحقّ في جهة والمصيب له واحد وعليه اتّفاق الشيعة وجماعة من غيرهم ، وربّما فصّل بعضهم . والمسألة مستقصاة في أصول الفقه . واعلم أنّ قوله ترد على أحدهم القضيّة إلى قوله فيصوّب آرائهم جميعا بيان لصورة حالهم الَّتي ينكرها ، وقوله وإلههم واحد وكتابهم واحد ونبيّهم واحد شروع في دليل بطلان ما يرونه ، وهذه هي المقدّمة الصغرى من قياس الضمير ، وتقدير كبراه وكلّ قوم كانوا كذلك فلا يجوز لهم أن يختلفوا في حكم شرعيّ ، وقوله أفأمرهم اللَّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه إلى آخره حجّة في تقدير المقدّمة الكبرى إذ الصغرى مسلَّمة ، وتقريرها أنّ ذلك الاختلاف إمّا أن يكون بأمر من اللَّه أطاعوه فيه ، أو بنهي منه عصى فيه ، أو بسكوت منه عن الأمرين ، وعلى التقدير الثالث فجواز اختلافهم في دينه والحاجة إلى ذلك إمّا أن يكون مع نقصانه أو مع تمامه وتقصير الرسول في أدائه ، وعلى الوجه الأوّل فذلك الاختلاف إنّما يجوز على أحد وجهين : أحدهما أن يكون إتماما لذلك النقصان أو على وجه أعمّ من ذلك وهو كونهم شركاؤه في الدين فعليه أن يرضى بما يقولون ولهم أن يقولوا إذ شأن الشريك ذلك فهذه وجوه خمسة ، وحصر الأقسام الثلاثة الأخير ثابت بحسب استقراء وجوه الحاجة إلى الاختلاف والأقسام كلَّها باطلة وأشار إلى بطلانها ببقيّة الكلام : أمّا بطلان الأوّل فلأنّ مستند الدين هو كتاب اللَّه تعالى ومعلوم أنّه يصدّق بعضه بعضا وأنّه لا اختلاف فيه ولا يتشعّب عنه من الأقوال والأحكام إلَّا ما يكون كذلك ولا شيء من أقوالهم المختلفة كذلك فينتج أنّه لا شيء ممّا استند إلى كتاب اللَّه تعالى بقول لهم فلا يكون أقوالهم من الدين ، وأمّا بطلان القسم الثاني فلأنّ عدم جواز المعصية للَّه بالاختلاف مستلزم لعدم جواز الاختلاف وهو غنيّ عن الدليل ، وأمّا بطلان الثالث وهو نقصان دين اللَّه فلقوله
شرح نهج البلاغة — صفحة 321
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٢١