الكتاب وحمل على الوجه الَّذي انزل اعتقدوه فاسدا وأطرحوه بجهلهم عن درجة الاعتبار على ذلك الوجه ، وإذا حرّف عن مواضعه ومقاصده ونزّل على حسب أغراضهم ومقاصدهم شروه على ذلك الوجه بأغلى ثمن وكان من أنفق السلع بينهم ، واستعار له لفظ السلعة ، ووجه المشابهة ظاهر ومنشأ كلّ ذلك هو الجهل ، وكذلك ليس عندهم أنكر من المعروف ، وذلك أنّه لمّا خالف أغراضهم ومقاصدهم أطرحوه حتّى صار بينهم منكرا يستقبحون فعله ، ولا أعرف من المنكر لموافقة أغراضهم ومحبّتهم له لذلك ، وأعلم أنّه عليه السّلام قسّم الناس في موضع آخر إلى ثلاثة أقسام عالم ومتعلَّم وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق ، والرجلان المشار إليهما بالأوصاف المذكورة هاهنا ليسا من القسم الأوّل لكونهما على طرف الجهل المضادّ للعلم ، ولا من القسم الثالث لكونهما متبوعين داعيين إلى اتّباعهما وكون الهمج تابعين كما صرّح به فتعيّن أن يكونا من القسم الثاني وهم المتعلَّمون ، وإذا عرفت ذلك فنقول : المراد بالمتعلَّم هو من ترفّع عن درجة الهمج من الناس بطلب العلم واكتسب ذهنه شيئا من الاعتقادات عن مخالطة من اشتهر بسمة العلم ومطالعة الكتب ونحو ذلك ولم ينته إلى درجة العلماء الَّذين يقتدرون على التصرّف والقيام بالحجّة فاعتقاداته حينئذ إمّا أن يكون مطابقة كلَّها أو بعضها أو غير مطابقة أصلا وعلى التقديرات فإمّا أن لا ينصب نفسه لشيء من المناصب الدينيّة كالفتوى والقضاء ونحوهما أو يتصدّر لذلك فهذه أقسام ستّة : أحدها من اعتقد اعتقادا مطابقا ولم يعرض نفسه لشيء من المناصب الدينيّة . الثاني من كان اعتقاده كذلك لكنّه نصب نفسه للإفاضة . الثالث من اعتقد جهلا ولم ينصب نفسه لها الرابع من اعتقد جهلا وعرض نفسه لها . الخامس من اعتقد جهلا وغير جهل ولم ينصب نفسه للإفادة . السادس من كان اعتقاده كذلك ونصب نفسه لها . والقسم الأوّل وحده هو الخارج عن هذين الرجلين بأوصافهما ، والثاني والرابع والسادس منهم يكون الرجلان المذكوران فالأوّل منهما في ترتيبه هو من نصب نفسه لسائر مناصب الإفادة دون منصب القضاء ، والثاني هو من نصب نفسه له . وإنّما بالغ في ذمّهما ونسبتهما إلى الجهل والضلال وإن كان بعض اعتقاداتهما حقّا لكون القدر الَّذي حصلا عليه مغمورا في ظلمة الجهل فضلا لهما وإضلالهما أغلب وانتشار الباطل فيهما أكثر ، وأمّا القسم الثالث
شرح نهج البلاغة — صفحة 319
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٩