رجأ أن يكون قد أصاب ، وخوف الخطأ ورجاء الإصابة من لوازم الحكم مع عدم الدراية ( يب ) كونه جاهلا خبّاط جهالات ، والجهالات جمع جهلة فعلة من الجهل ، وقد تقدم أنّ وزن فعّال يبنى للفاعل من الأمور المعتادة الَّتي يكثر فعلها ، وذكر الجهل هاهنا بزيادة وهي كثرة الخبط فيه وكنّى بذلك عن كثرة الأغلاط الَّتي يقع فيها في القضايا والأحكام فيمشي فيها على غير طريق حقّ من القوانين الشرعيّة وذلك معنى خبطه ( يج ) كونه عاشيا ركَّاب عشوات ، وهي إشارة إلى أنّه لا يستليح نور الحقّ في ظلمات الشبهات إلَّا على ضعف لنقصان ضوء بصيرته فهو يمشي فيها على ما يتخيّله دون ما يتحقّقه وكثيرا ما يكون حاله كذلك ، ولمّا كان من شأن العاشي إلى الضوء في الطرق المظلمة تارة يلوح له فيمشي عليه وتارة يخفى عنه فيضلّ عن القصد ويمشي على الوهم والخيال كذلك حال السالك في طرق الدين من غير أن يستكمل نور بصيرته بقواعد الدين ويعلم كيفيّة سلوك طرقه فإنّه تارة يكون نور الحقّ في المسألة ظاهرا فيدركه وتارة يغلب عليه ظلمات الشبهات فتعمى عليه الموارد والمصادر فيبقى في الظلمة خابطا وعن القصد جائرا ( يد ) كونه لم يعضّ على العلم بضرس قاطع كناية عن عدم إتقانه للقوانين الشرعيّة وإحاطته بها يقال فلان لم يعضّ على الأمر الفلاني بضرس إذا لم يحكمه ، وأصله أنّ الإنسان يمضغ الشيء ثمّ لا يجيد مضغه فمثّل به من لم يحكم ما يدخل فيه من الأمور ( يه ) كونه يذري الروايات إذ راء الريح الهشيم ، ووجه التشبيه أنّ الريح لمّا كانت تذري الهشيم وهو ما تكسّر من نبت الأرض ويبس فتخرجه عن حدّ الانتفاع به كذلك المتصفّح للروايات لمّا لم يهتد إلى وجه العمل بها ولم يقف على الفائدة منها فهو يقف على رواية أخرى ويمشي عليها من غير فائدة ( يو ) أنّه غير مليّ بإصداره ما يرد عليه إشارة إلى أنّه ليس له قوّة على إصدار الأجوبة عمّا يرد عليه من المسائل فهو فقير منها ( يز ) كونه لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره يقال فلان لا يحسب فلانا في شيء بالضمّ من الحساب أي لا يعدّه شيئا ويعتبره خاليا من الكمال والفضيلة ، والمراد أنّه ينكر العلم كسائر ما أنكره فهو لا يعدّه شيئا ولا يفرده بالحساب والاعتبار وعنى بالعلم الحقيقيّ الَّذي ينبغي أن يطلب ويجتهد في تحصيله لا ما يعتقده الموصوف علما ممّا قمشه وجمعة فإنّ كثيرا من الجهّال ممّن يدعى العلم
شرح نهج البلاغة — صفحة 317
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٧