تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
المضادّ لليقين وصار ملكة من ملكاتها فيسود لوحها به عن قبول الأنوار الإلهيّة وصار ذلك حجابا بينها وبين الرحمة بحيث يكون ذلك الحجاب في القوّة والشدّة أضعاف حجب التابعين له والمقتدين به الناشئة عن فتنته فإنّ تلك الحجب الطارية على قلوب التابعين مستندة إلى ذلك الحجاب وهو أصلها فلا جرم يكون وزره وسيّئته في قوّة أوزار أتباعه وسيّئاتهم الَّتي حصلت بسبب إضلاله لا كلّ سيّئاتهم من كلّ جهة ولذلك قال تعالى « وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ » أي بعض أوزارهم وهي الحاصلة بسبب المضلَّين . وقال الواحدي : إنّ من في هذه الآية ليست للتبعيض بل لبيان الجنس وإلَّا لخفّ عن الأتباع بعض أوزارهم وذلك يناقض قوله صلى اللَّه عليه وآله من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . قلت : هذا وإن كان حسنا إلَّا أنّ الإلزام الَّذي ذكره غير لازم على كونها للتبعيض لأنّ القائل بكونها كذلك يقول إنّ المراد وليحملوا بعض أمثال أوزار التابعين لا بعض أعيان أوزارهم ، وإذا فهمت ذلك في جانب السيّئات فافهم مثله في جانب الحسنات وهو أنّ الواضع لحسنة وهدى يهتدى به إنّما تصدر عن نفس ذات صفاء وإشراق فأشرق على غيرها من النفوس التابعة لها فاستضائت به وتلك السنّة المأخوذة من جملة أنوارها الفائضة عنها على نفس اقتبسها فكان للنفس المتبوعة من الاستكمال بنور اللَّه الَّذي هو رأس كلّ هدى ما هو في قوّة جميع الأنوار المقتبسة عن تلك السنّة ومثل لها فكان لها من الأجر والثواب مثل ما للتابعين لها من غير نقصان في أجر التابعين وهداهم الحاصل لهم ، وإلى هذا المعنى الإشارة الواردة في الخبر إنّ حسنات الظالم تنقل إلى ديوان المظلوم ، وسيّئات المظلوم تنقل إلى ديوان الظالم فإنّك إن علمت أنّ السيّئة والحسنة أعراض لا يمكن نقلها من محلّ إلى محلّ فليس ذلك نقلا حقيقيّا بل على وجه الاستعارة كما يقال : انتقلت الخلافة من فلان إلى غيره ، وإنّما المقصود عن نقل سيّئات المظلوم إلى الظالم حصول أمثالها في قلب الظالم ونقل حسنات الظالم إلى المظلوم حصول أمثالها في قلبه ، وذلك لأنّ للطاعة تأثيرا في النفس بالتنوير ، وللمعاصي تأثيرا بالقسوة والظلمة وبأنوار الطاعة تستحكم مناسبة النفس من استعدادها لقبول المعارف الإلهيّة ومشاهدة حضرة الربوبيّة ، وبالقسوة والظلمة تستعدّ للبعد والحجاب عن مشاهدة الجمال الإلهيّ فالطاعة مولَّدة لذّة المشاهدة بواسطة الصفاء والنور الَّذي يحدث في النفس ، والمعصية مولَّدة للحجاب بواسطة القسوة والظلمة