اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه ، تصرح من جور قضائه الدماء ، وتعج منه المواريث إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا ، ويموتون ضلالا ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر .
أقول : وكلَّه إلى نفسه جعل توكَّله عليها ، والجائر العادل عن الطريق وفلان مشغوف بكذا بالغين المعجمة إذا بلغ حبّه إلى شغاف قلبه وهو غلافه ، وبغير المعجمة إذا بلغ إلى شعفة قلبه وهي عند معلَّق النيّات ، والقمش جمع الشيء المتفرّق والمجموع قماش ، والموضع بفتح الضاد المطرح وبكسرها المسرع ، والغارّ الغافل ، وأغباش الليل ظلمته ، وقال أبو زيد : الغبش البقيّة من الليل وروى أغطاش الفتنة والغطش الظلمة ، والهدنة الصلح ، والمبهمات المشكلات وأمر مبهم إذا لم يعرف ، والرثّ الضعيف البالي ، وعشوت الطريق بضوء النار إذا تبيّنته على ضعف ، والهشيم اليابس من نبت الأرض المتكسّر ، والعجّ رفع الصوت ، والبائر الفاسد .
واعلم أنّه أخذ أوّلا في التنفير على الرجلين المشار إليهما بذكر أنّهما من أبغض الخلائق إلى اللَّه تعالى ولمّا كانت إرادة اللَّه للشيء ومحبّته له عائدة إلى علمه بكونه على وفق النظام الكليّ التامّ للعالم كانت كراهيّته وبغضه له عائدة إلى علمه بكونه على ضدّ مصلحة العالم وخارجا عن نظامه فبغضه إذن لهذين الرجلين علمه بكون أفعالهما وأقوالهما خارجة عن المصلحة . قوله رجل وكلَّه اللَّه إلى نفسه فهو وجائر عن قصد السبيل إلى قوله بخطيئته . بيان لأحد رجلين وتمييز له ، وذكر له أوصافا : الأوّل أنّه وكلَّه اللَّه إلى نفسه أي جعله متوكَّلا عليها دونه ، واعلم أنّ التوكيل مأخوذ من الوكالة يقال : وكلّ فلان أمره إلى فلان إذا فوضّه إليه واعتمد عليه فالتوكَّل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده . إذا
شرح نهج البلاغة — صفحة 311
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١١