عرفت ذلك فنقول : من اعتقد جزما وظنّا بأنّ نفسه أو أحدا غير اللَّه تعالى ممّن ينسب إليه التأثير والقدرة هو المتمكَّن من الفعل وأنّه تامّ القدرة على تحصيل مراده والوفاء به فإنّ ذلك من أقوى الأسباب المعدّة لأن يفيض اللَّه على قلبه صورة الاعتماد على المعتقد فيه والتوكَّل عليه فيما يريده ، وذلك معنى قوله وكَّله اللَّه إلى نفسه ، وكذلك معنى الوكول إلى الدنيا وذلك بحسب اعتقاد الإنسان أنّ المال والقينات الدنيويّة وافية بمطالبه وتحصيلها مغنية له عمّا وراءها ، وبحسب قوّة ذلك التوكَّل وضعفه يكون تفاوت بغض اللَّه تعالى للعبد ومحبّته له ، وبعده وقربه منه فلن يخلص إذن العبد من بغض اللَّه إلَّا بالتوكَّل عليه حقّ توكَّله .
قال اللَّه تعالى « إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » وهو أعظم مقام وسم صاحبه بمحبّة اللَّه فمن كان اللَّه حسبه وكافيه ومحبّه ومراعيه فقد فاز الفوز العظيم ، فإنّ المحبوب لا يبغض ولا يعذّب ولا يبعّد ولا يحجب . وقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : من انقطع إلى اللَّه كفاه كلّ مؤنه ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكَّله اللَّه تعالى إليها ، وصورة المتوكَّل عليه أن تثبت في نفسك بكشف أو اعتقاد جازم أنّ استناد جميع الأسباب والمسبّبات إليه سبحانه وأنّه الفاعل المطلق تامّ العلم والقدرة على كفاية العباد تامّ العفو والرحمة والعناية بخلقه حيث لا يكون وراء قدرته وعلمه وعنايته رحمة وعناية ، ولم يقع في نفسك التفات إلى غيره بوجه حتّى نفسك وحولك وقوّتك فإنّك والحال هذه تجد من نفسك تسليم أمورها بالكلَّيّة إليه والبراءة من التوكَّل على أحد إلَّا عليه ، فإن لم تجد من نفسك هذه الحال فسبب ذلك ضعف الأسباب المذكورة أو بعضها وغلبة الوهم على النفس في معارضته لذلك اليقين ، وبحسب ضعف تلك الأسباب وشدّتها وزيادتها ونقصانها يكون تفاوت درجات التوكَّل على اللَّه تعالى . الثاني كونه جائرا عن قصد السبيل أي قصد سبيل اللَّه العدل وصراطه المستقيم ، وعلمت أنّ الجور هو طرف الإفراط من فضيلة العدل ، الثالث كونه مشعوفا بكلام بدعة أي معجب بما يخطر له ويبتدعه من الكلام الَّذي لا أصل له في الدين ويدعو به الناس إلى الضلالة والجور عن القصد ، وهذا الوصف لازم عمّا قبله فإنّ من جار عن قصد السبيل بجهله فهو يعتقد أنّه على سواء السبيل فكان ما يتخيّله من ذلك الكمال الَّذي هو نقصان في الحقيقة مستلزما لمحبّة قول الباطل وابتداع المحال فهو من الأخسرين
شرح نهج البلاغة — صفحة 312
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٢