تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣

أعمالا « الَّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا » ( 1 ) الرابع كونه فتنة لمن افتتن به وهو أيضا لازم عن الوصف الثالث فإنّ محبّة قول الباطل والدعوة إلى الضلالة سبب لكونه فتنة لمن اتّبعه . الخامس كونه ضالَّا عن هدى من كان قبله وهذا الوصف كالثاني فإنّ الضالّ عن الهدى جائر عن قصد السبيل إلَّا أنّ هاهنا زيادة إذ الجائر عن القصد قد يجور ويضلّ حيث لا هدى يتبعه والموصوف هاهنا جائر وضالّ مع وجود هدى قبله مأمور باتّباعه وهو كتاب اللَّه وسنّة رسوله وإعلام هداة الحاملون لدينه الناطقون عن مشكاة النبوّة وذلك أبلغ في لائمته وآكد في وجوب عقوبته . السادس كونه مضلَّا لمن اهتدى به في حياته وبعد وفاته وهذا الوصف مسبّب عمّا قبله إذ ضلال الإنسان في نفسه سبب لإضلاله غيره ويفهم منه ما يفهم من الرابع مع زيادة فإنّ كونه فتنة لغيره وهو كونه مضلَّا لمن اهتدى به وأمّا الزيادة فكون ذلك الإضلال في حياته وهو ظاهر وبعد موته لبقاء العقائد الباطلة المكتسبة عنه فهي سبب ضلال الضالَّين بعده . السابع كونه حمّالا لخطايا غيره وهو لازم عن السادس فإنّ حمله لأوزار من يضلَّه إنّما هو بسبب إضلاله له . الثامن كونه رهنا بخطيئته أي موثوق بها عن الصعود إلى حضرة جلال اللَّه وإلى هذين الوصفين أشار القرآن الكريم بقوله « لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ » ( 2 ) وقول الرسول صلى اللَّه عليه وآله : أيّما داع دعا إلى الهدى فاتّبع كان له مثل أجر من تبعه لا ينقص من أجرهم شيء وأيّما داع دعا إلى الضلالة فاتّبع كان عليه مثل وزر من تبعه ولا ينقص منه شيء ، واعلم أنّه ليس المراد من ذلك أنّه تعالى يوصل العقاب الَّذي يستحقّه الأتباع إلى القادة والرؤساء لقوله تعالى « وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » « أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ( 3 ) ولما دخل أحد من الناس النار أبدا بل كانت مقصورة على إبليس وحده بل المعنى أنّ الرئيس المضلّ إذا وضع سيّئة تكون فتنة للناس وضلالا لهم لم تصدر تلك السيّئة إلَّا عن نفس قد استولى عليها الجهل المركب

هامش
( 1 ) 19 - 104 .
( 2 ) 16 - 27 .
( 3 ) 53 - 39 .