تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩

لأنّ الجواذب الإلهيّة إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتّى أعرض عنها والتفت بوجه نفسه . إلى ما كان معرضا عنه من الندم على المعصية والتوجّه إلى القبلة الحقيقيّة فإنّه يصدق عليه إذن أنّ التوبة ورائه أي وراء عقليّا وهو أولى من قول من قال من المفسّرين إنّ ورائكم بمعنى أمامكم . قوله ولا يحمد حامد إلَّا ربّه ولا يعلم لائم إلَّا نفسه . تأديب لهم بالتنبيه على قصر الحمد والثناء على اللَّه دون غيره وأنّه مبدء كلّ نعمة يستحقّ بها الحمد كما سبقت إليه الإشارة ، وعلى قصر اللائمة على النفس عند انحرافها عن جهة القبلة الحقيقيّة إلى متابعة إبليس وقبولها لدعوته من غير سلطان ، وإلى أصل هاتين الكلمتين أشار القرآن الكريم « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » ( 1 ) فكلّ حسنة أصابت العبد من ربّه فهي مبدء لحمده وشكره ، وكلّ سيّئة أصابته من نفسه فهو مبدء للأئمّة نفسه ، فأمّا قول السيّد - رحمه اللَّه - إنّ في الكلام من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان إلى آخره ، فالإحسان مصدر قولك أحسن الرجل إحسانا إذا فعل فعلا حسنا ومواقع الإحسان محاسن الكلام الَّتي أجاد فيها وأحسن ومواقع الاستحسان إمّا سائر محاسن كلام العرب أي أنّ شيئا من محاسن كلام العرب وما يقع عليه الاستحسان منها لا يوازي هذا الكلام ولا يبلغه ، أو يشير بمواقع الاستحسان إلى الفكر من الناس فإنّها محالّ الاستحسان أيضا إذ الاستحسان من صفات المستحسن أي أنّ الفكر لا يصل إلى محاسن هذا الكلام ، وقوله وإنّ حظَّ العجب منه أكثر من حظَّ العجب به يريد أنّ تعجّب الفصحاء من حسنه وبدائعه أكثر من عجبهم باستخراج محاسنه وذلك لأنّ فيه من المحاسن وراء ما يمكنهم التعبير عنها أمور كثيرة فهم يجدونها من أنفسهم وإن لم يمكنهم التعبير عنها فيكون تعجبّهم من محاسنه أكثر من إعجابهم من أنفسهم بما يقدرون على استخراجه منها . أو أريد بأكثر من عجبهم به أي أكثر من محبّتهم له وميلهم إليه ، وباقي كلامه ظاهر وباللَّه التوفيق .

هامش
( 1 ) 4 - 81 .