من وجوب التجرّد للحقّ ونصرته ، وربّما يستفهم منها تعليم كيفيّة استجلاب طباع الجهّال وتأنيسهم وهو أنّهم لا ينبغي أن يقابلوا بالحقّ دفعة ويتجرّد في مقابلتهم به على كلّ وجه فإنّ ذلك ممّا يوجب نفارهم وعدم نظام أحوالهم بل ينبغي أن يؤنسوا به على التدريج قليلا قليلا . وربّما لم يكن تأنيسهم بالحقّ في بعض الأمور إمّا لغموض الحقّ بالنسبة إلى أفهامهم أو لقوّة اعتقادهم الباطل في مقابلته فينخدعوا عن ذلك بالحقّ في صورة الباطل وظاهره وذلك كما ورد في القرآن الكريم والسنن النبويّة من صفات التجسيم وما لا يجوز أن يحمل على ظاهره في حقّ الصانع الحكيم فإنّ حمله على ظاهره كما يتصوّره جهّال الناس أمر باطل لكنّه لمّا كان سبب إيناسهم وجمع قلوبهم على اعتقاد الصانع وبه نظام أمورهم ورد الشرع به . قوله لا يهلك على التقوى سنخ أصل ولا يظمأ عليها زرع قوم . تنبيه على لزوم التقوى باعتبارين : أحدهما أنّ كلّ أصل بنى على التقوى فمحال أن يهلك ويلحق بانيه خسران كما قال تعالى « أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ الله ورِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ » ( 1 ) الثاني أنّ من زرع زرعا أخرويّا كالمعارف الإلهيّة في أرض نفسه مثلا أو دنيويّا كالأعمال الَّتي بها تقوم مصالح الإنسان في الدنيا وسقاها ماء التقوى وجعله مادّتها فإنّه لا يلحق ذلك الزرع ظمأ بل عليه ينشأ بأقوى ساق وأزكى ثمرة ، واستعمال الزرع والأصل كناية عمّا ذكرناه . قوله فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم . قد عرفت أنّ هذا الفصل مقدّم في الخطبة على قوله من أبدى صفحته للحقّ هلك ، وهو مسبوق بالتهديد ووارد في معرضه وهو قوله ألا وإنّ اللَّه قد جعل أدب هذه الأمّة السوط والسيف ليس عند إمام فيهما هوادة أي مصالحة وسكون فاستتروا ببيوتكم وهو حسم لمادّة الفتنة بينهم بلزوم البيوت عن الاجتماع للمنافرات والمفاخرات والمشاجرات ، ولذلك أردفه بقوله وأصلحوا ذات بينكم فإنّ قطع مادّة الفتنة سبب لإصلاح ذات البين قوله والتوبة من ورائكم تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية واقتفاء أثر الشيطان وكونها وراء
شرح نهج البلاغة — صفحة 308
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٠٨
هامش
( 1 ) 9 - 110 .