الاستحسان - وإن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به - وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة - لا يقوم بها لسان ولا يطلع فجها إنسان - ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق - وجرى فيها على عرق . ( وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) . أقول : في هذا الفصل فصول من الخطبة الَّتي أشرنا إليها في الكلام الَّذي قبله ، وكذلك في الفصل الَّذي بعده ، ونحن نوردها بتمامها ليتّضح ذلك ، وهي الحمد للَّه أحقّ محمود بالحمد وأولاه بالمجد إلها واحدا صمدا أقام أركان العرش فأشرق لضوء شعاع الشمس خلق فأتقن وأقام فذلَّت له وطأه المستمكن ، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله أرسله بالنور الساطع والضياء المنير أكرم خلق اللَّه حسبا وأشرفهم نسبا لم يتعلَّق عليه مسلم ولا معاهد بمظلمة بل كان يظلم . أمّا بعد فإنّ أوّل من بغى على الأرض عناق ابنة آدم كان مجلسها من الأرض جريبا وكان لها عشرون إصبعا ، وكان لها ظفران كالمخلبين فسلَّط اللَّه عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا كالحمار ، وكان ذلك في الخلق الأوّل فقتلها وقد قتل اللَّه الجبابرة على أسوء أحوالهم ، وإنّ اللَّه أهلك فرعون وهامان وقتل هارون بذنوبهم ألا وإنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللَّه نبيّكم صلى اللَّه عليه وآله والَّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ولتغربلنّ غربلة ولتساطنّ سوط القدر حتّى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا وليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا واللَّه ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة ولقد نبّئت بهذا اليوم وهذا المقام ألا وإنّ الخطا يا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحّمت بهم في النار فهم فيها كالحون ألا وإنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها فسارت بهم تأوّدا حتّى إذا جاؤوا ظلَّا ظليلا فتحت أبوابها وفال لهم خزنتها « سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين » ( 1 ) ألا وقد سبقني هذا الأمر من لم أشركه
شرح نهج البلاغة — صفحة 297
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٧
هامش
( 1 ) 20 - 128 .